يشهد جيل الشباب في السنوات الأخيرة سعيًا حثيثًا نحو التميز، مما يولد لديهم إحساسًا دائمًا بالضغط المتواصل؛ فلم يعد مجرد تحقيق خطوات نحو النجاح كافيًا، بل أصبحوا يبحثون باستمرار عن التفرد والاختلاف. وتعود جذور هذا الشعور إلى عوامل اجتماعية واقتصادية متعددة، يتصدرها تأثير المقارنات المستمرة على منصات التواصل الاجتماعي، التي تزرع في نفوسهم شعورًا بعدم الإنجاز رغم نجاحاتهم الواقعية في جوانب مختلفة من حياتهم.
من الطبيعي أن تكون الرغبة في النجاح وتطوير الذات وتحقيق الإنجازات جزءًا أصيلًا من الطموح البشري، لكن المشكلة الحقيقية تكمن في تحول التميز إلى شرط أساسي للشعور بالقيمة الذاتية، حيث يبدأ الفرد في النظر إلى حياته على أنها فاشلة لمجرد أنها لا تطابق قصص النجاح الاستثنائية التي يتابعها يوميًا. وفي هذا السياق، أشارت دراسة أعدت في عام 2026 ونشرتها كلية لندن للاقتصاد "LSE" ضمن أبحاث حول تصاعد السعي نحو الكمال، إلى أن الضغوط الاقتصادية، والمنافسة الاجتماعية، والخوف من ارتكاب الأخطاء، تلعب أدوارًا محورية في تشكيل هذه الحالة، وليس مجرد متابعة "السوشيال ميديا" فقط.
هناك عدة عوامل جعلت الجيل الجديد يرفض فكرة العيش حياة عادية كما كانت الأجيال السابقة، أو حتى الرضا عن إنجازاته الخاصة، مفضلًا دائمًا السعي وراء التميز، ويمكن تلخيص أبرز هذه الأسباب فيما يلي:
بينما كان الإنسان في الماضي يقارن نفسه بمن حوله، أصبح اليوم يتصفح مختلف مواقع التواصل الاجتماعي ليرى عشرات الأشخاص الذين يحققون إنجازات أو يطلقون مشاريعهم الخاصة. وتُعرف هذه الحالة بمصطلح "المقارنة الاجتماعية الصاعدة –Upward Social Comparison"، وهو الميل لمقارنة النفس بأشخاص يُنظَر إليهم على أنهم أفضل. وقد أظهرت دراسة نُشرت عام 2025 في دورية "BMC Psychology" أن المقارنة بأشخاص يُعتبرون أكثر نجاحًا ترتبط بانخفاض تقدير الذات وتزايد أعراض الاكتئاب لدى المشاركين.
أصبح كثير من الأفراد يربطون قيمة حياتهم بمدى اختلافهم عن الآخرين، معتبرين أن الحياة العادية تعني عدم تحقيق أي شيء يستحق الذكر. وتناولت دراسة علمية حديثة مفهوم "الخوف من أن نكون أشخاصًا عاديين – Fear of Being Ordinary – FoBO"، حيث تم تطوير مقياس نفسي لرصد هذه الظاهرة. وشملت الدراسة 622 مشاركًا بمتوسط عمر يقارب 22 عامًا، وحددت بُعدين رئيسيين لهذا الخوف: الخوف من عدم الأهمية، والمقارنة عبر السوشيال ميديا، كما كشفت عن ارتباط بين هذا الخوف ومستويات أعلى من الخوف من تفويت الفرص والشعور بالضيق النفسي.
يضع بعض الشباب لأنفسهم معايير مرتفعة للغاية، تشمل وظيفة مميزة، ودخلًا كبيرًا، ومظهرًا مثاليًا، وحياة اجتماعية ناجحة، وإنجازات متتالية، ليبدأ الإحساس بالإحباط والتقصير عند أول تعثر. ومن المهم أن يدرك الشباب الفرق الجوهري بين محاولة تطوير النفس وتحقيق الأهداف، وبين اعتبار أي نتيجة أقل من الممتازة فشلاً ذريعًا.
في أحيان كثيرة، لا يقتصر دافع تحقيق الإنجاز على الشعور بالرضا الشخصي، بل يمتد ليشمل الحصول على إعجاب الآخرين وإثبات النجاح، وهو ما يتجلى في الاهتمام المفرط بعدد المتابعين والتفاعل على المنشورات، وإظهار الإنجازات باستمرار، وكأن النجاح لا يكتمل إلا بملاحظة الآخرين له. وقد تناول الباحثان تيم كاسر Tim Kasser وريتشارد رايان Richard Ryan هذه الفكرة من منظور علم النفس، مفرقين بين الأهداف الخارجية كالشهرة والمال والصورة الاجتماعية، والأهداف الداخلية كالنمو الشخصي والعلاقات الإنسانية والشعور بالقبول الذاتي.
يُعد الشعور بوجود جدول زمني غير معلن يجب الالتزام به من أكثر الأفكار المزعجة للشباب، والذي يتطلب تحقيق نجاح مهني في سن معينة واستقلال مادي في وقت محدد، مثل إنجاز الكثير قبل بلوغ الثلاثين من العمر. ومع متابعة قصص من حققوا نجاحات مبكرة، يتحول الطموح إلى استعجال دائم، فيبدأ الشخص في تقييم حياته على أنها سباق مع الوقت بدلًا من كونها رحلة لها ظروفها الخاصة، متناسيًا الفروق الفردية في الفرص والإمكانات والبدايات.
غالبًا ما يتوقف الشخص عن المحاولة ليس لغياب الطموح، بل لخوفه من أن تكون النتيجة مثالية بما يكفي؛ فيؤجل مشروعًا بانتظار الفكرة المثالية، أو يرفض فرصة جديدة خوفًا من ألا تمنحه المكانة المطلوبة، أو يشعر بالإحباط من إنجازاته لمجرد أن شخصًا آخر حقق أكثر. وعند استشعار هذه الأحاسيس، يتحول التميز من هدف محفز إلى ضغط نفسي، فيصبح الفرد مشغولًا بتجنب الفشل أكثر من استمتاعه بالتجربة والتعلم. يُمكنكم قراءة: عقدة الكمال المزيف.. خطوات بسيطة نحو تقبّل الذات