لم تعد النخلة في سلطنة عُمان مجرد إرث زراعي تقليدي، بل غدت محور ارتكاز في استراتيجيات التنويع الاقتصادي والأمن الغذائي. ومع كشف إحصائيات عام 2025 الصادرة عن وزارة الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه عن وصول عدد النخيل في السلطنة إلى 9.1 مليون نخلة، وتنتج 406 آلاف طن باكتفاء ذاتي يبلغ 97%، يبرز تساؤل استراتيجي: ماذا لو انتقلنا من التوسع الأفقي إلى التكثيف الرأسي برفع متوسط إنتاج النخلة من 44.6 كيلوجرامًا حاليًا إلى 100 كيلوجرام سنويًا دون زيادة قطرة مياه واحدة؟
القراءة الرقمية لهذا المستهدف تكشف عن ثورة اقتصادية متكاملة؛ إذ سيرتفع الإنتاج الوطني إلى 910 آلاف طن سنويًا، بإضافة 504 آلاف طن جديدة (بنمو يتجاوز 124%) توجه لتغذية الصناعات التحويلية ومضاعفة الصادرات العُمانية، وفق المرتكزات الآتية:
أولًا: خارطة الإنتاج ومعادلة "الكفاءة المائية الثابتة"
يتصدر صنف "الخلاص" الإنتاج الوطني بـ67.5 ألف طن، يليه "النغال" (48.6 ألف طن)، ثم "الفرض" (37.3 ألف طن)، و"الخصاب" (32 ألف طن). جغرافيًا، تتصدر ولاية عبري الولايات إنتاجًا بـ48 ألف طن، تليها الرستاق (24.3 ألف طن)، فصحم (17 ألف طن)، وسمائل (15.5 ألف طن).
ولبلوغ مستهدف 100 كجم للنخلة مع تثبيت الاستهلاك المائي، ترتكز الرؤية على مضاعفة العائد الاقتصادي لكل متر مكعب من المياه عبر 3 مسارات:
ثانيًا: الصناعات التحويلية المرتبطة بقطاع التمور
تمتلك السلطنة حاليًا 18 مصنعًا كبيرًا ومتوسطًا يتصدرها "المجمع الصناعي للتمور بنزوى"، بجانب أكثر من 200 وحدة تعبئة وتغليف، تستوعب مجتمعة 60 إلى 80 ألف طن سنويًا. ومع وصول الإنتاج إلى 910 آلاف طن، ستتضاعف الطاقة التصنيعية لتستوعب أكثر من 500 ألف طن سنويًا، مما يؤهل البلاد لرفع مصانعها التحويلية إلى أكثر من 50 مصنعًا متخصصًا.
وتتوزع الصناعات المرتبطة بالنخيل إلى 16 صناعة رئيسية ضمن 4 قطاعات حيوية: قطاع الصناعات الغذائية (5 صناعات): يشمل عجينة التمر، والدبس، وسكر التمر السائل والمسحوق، والتمور المغطاة بالشوكولاتة، وألواح الطاقة. وتوجيه 250 ألف طن لهذا المسار سينتج نحو 175 ألف طن سنويًا من المنتجات عالية القيمة.
قطاع الصناعات الكيميائية والطبية (4 صناعات): يستثمر تمور الدرجة الثانية والثالثة لإنتاج الكحول الطبي والإيثانول الحيوي، وخل التمر، وحمض الستريك، والخميرة. وتوجيه 100 ألف طن لهذا القطاع ينتج ملايين اللترات سنويًا، محققًا اكتفاءً ذاتيًا للصناعات الدوائية والغذائية.
قطاع نوى التمر والتجميل (3 صناعات): يشمل قهوة النوى الخالية من الكافيين، وزيت النوى لمستحضرات التجميل، والكربون النشط لفلاتر تنقية المياه والغازات. وسيوفر الإنتاج المستهدف 90 إلى 110 آلاف طن من النوى سنويًا كمادة خام مجانية.
قطاع الأخشاب والأعلاف والأسمدة (4 صناعات): يستغل نواتج تقليم النخيل ومخلفات الفرز لإنتاج الأعلاف المركزة، والأخشاب المضغوطة (MDF) والباركيه، والفحم الحيوي والأسمدة العضوية، والصناعات الحرفية، منتجًا أكثر من 250 ألف طن سنويًا تقلص فاتورة الاستيراد.
ثالثًا: المردود الاقتصادي الكلي وتعظيم الصادرات
وسيحدث هذا التحول نقلة هيكلية في الاقتصاد غير النفطي عبر محورين:
مضاعفة القيمة المضافة: يباع طن التمر الخام بمتوسط 400 إلى 600 ريال عُماني، بينما يرتفع عائده بعد التصنيع إلى 1,500 و2,500 ريال للطن؛ مما يعني أن تصنيع الفائض البالغ 504 آلاف طن سيضخ 400 إلى 600 مليون ريال عُماني سنويًا في الناتج المحلي.
قفزة الصادرات غير النفطية: توجيه الفائض للتصدير سيرفع صادرات التمور ومشتقاتها لتتجاوز 400 ألف طن سنويًا نحو أسواق الهند وآسيا وأوروبا وأفريقيا.
رابعًا: المردود الاجتماعي وتوفير الوظائف الوطنية
تترجم هذه الرؤية إلى استقرار تنموي واجتماعي في المحافظات عبر: استحداث 15,000 إلى 25,000 فرصة عمل: تتوزع بين وظائف هندسية وفنية لإدارة الري الذكي والطائرات المسيرة (Drones)، ووظائف صناعية ومخبرية، وفرص في اللوجستيات وسلاسل التبريد والتسويق الدولي.
وتمكين المؤسسات الصغيرة والمتوسطة: وفرة الخامات المصنعة محليًا بأسعار تنافسية ستفتح المجال لمئات المشاريع الشبابية لابتكار علامات عُمانية في الحلويات الصحية والمقاهي والتجميل.
ومضاعفة دخل المزارع واستدامة القرى: مضاعفة إنتاجية المزرعة دون تكاليف مياه إضافية، مع عقود شراء وطنية مضمونة، سيحول الزراعة إلى قطاع جاذب للشباب يعزز الاستقرار الاقتصادي بالولايات.
فهل سنشهد يومًا هذه الثورة الصناعية لإنتاج الذهب الأسمر؟!