الرباط ـ «القدس العربي» : قد يبدو عنوان من قبيل «عفوا زرقاء اليمامة، الأندلس لم تسقط، ولكن؟!» مرهقا وطويلا، ولا يناسب أذواق أصحاب العناوين البراقة، كما أنه قد لا يناسب عناوين الأعمال الأدبية التي ألفنا أن تكون مختصرة ومركزة، ويتدخل فيها الناشر بشكل كبير بهدف تحقيق انتشار واسع للكتاب. لكن الحقيقة أن العنوان الذي اختاره الروائي المغربي ميلود الياسمني موفق، ويحيل على طبقات من الفهم المختلفة، فهو يحيل أساسا إلى صراع الهوية، أو صراع الوجود ضمن نطاق حاضر يضمن الاستمرار نحو المستقبل. وهنا تحضر زرقاء اليمامة باعتبارها كناية عن حدة البصر والبصيرة، والقدرة على استشراف المخاطر مبكرا. لكن هل فعلا قامت بدورها؟ هنا يأتي الاعتذار لها، أو تصحيح ما رأته، عندما يأتي الجزء الثاني من العنوان: «الأندلس لم تسقط»، مع استطراد بـ»لكن» الذي يحيل على أثر آخر من نبوءة أو لحظة تجل لدى زرقاء اليمامة، كما يراها الروائي الياسمني. رواية «عفوا زرقاء اليمامة، الأندلس لم تسقط، ولكن؟!» الصادرة في الرباط سنة 2025، للروائي ميلود الياسمني، تقع في 208 صفحات من القطع المتوسط، صمم غلافها الفنان سعيد العفاسي، الذي اختار فسيفساء الزليج المغربي لترجمة رؤيته الخاصة للعمل. فهي ليست استرجاعا بالمعنى الحرفي لذاكرة تاريخية تتعلق بالأندلس، بل هي حديث عن تشظيات المجتمع في تجمعات تفترض وجود حد أدنى من التفاهم لخلق عيش مشترك، ومسؤولية تجاه الآخر. وقبل أن يلج القارئ إلى متن الحكاية، يستوقفه إهداء الرواية المفتوح على جهات ورموز شتى، إهداء يفيض بمحبة الوطن «المغرب الذي يحمل في قلبه كل هذا العالم بجميله وقبيحه»، ويستحضر أسماء ووجوها منهم الكاتب والصحافي الطاهر الطويل، حيث «ممارس السياسة كممارس المسرح، كل الأماكن والفضاءات عنده ركح»، أيضا فوزية بنسليمان، وسعيد العفاسي، ورانية عقل، وعبد الله لحفاري، إلى كل «الذين يؤمنون بأنه في عقيدة حب الوطن… كلنا سواسية». قد يغتر القارئ المتعجل بالعنوان، ويخاله حديثا عن تاريخ مضى، تاريخ الأندلس ولحظات سقوطها. والحقيقة أن بين «أندلس الذاكرة» و»أندلس الرواية» مسافة شاسعة، لكن بينهما قواسم مشتركة عديدة، أهمها الإنسان. ذلك الاجتماع الذي يجعله الكاتب مستهلا لروايته يربك القارئ، فهو سينعقد في عربة وسط «القطار رحلة 22 المنطلقة من محطة غرب في اتجاه محطة شرق»، كما أن الركاب المدعوين لحضوره لديهم تذاكر تحمل أرقام عرباتهم التي «توافق أرقام شققهم في (الأندلس)». وهو ما سيصحح فكرة القارئ، ليفهم أنه بصدد حديث عن مجمع سكني يريد سكانه أن يكون «أوسع من ذلك»، أن يكون «مسألة وجود». من خلال العنوان واستهلال الحكاية، يلاحظ القارئ أن الروائي المغربي ميلود الياسمني يستثمر في الرمز التاريخي والثقافي لطرح أسئلة معاصرة تتجاوز حدود الحكاية التقليدية. لأن الرواية لا تقدم الأندلس باعتبارها موضوعا تاريخيا، بل تجعل منها رمزا أوسع لحالة إنسانية واجتماعية تتصل بمصير الجماعات حين تتآكل من الداخل. فالأندلس هنا ليست مجرد أرض أو حقبة زمنية، وإنما فكرة مرتبطة بالذاكرة والهوية والقدرة على المحافظة على القيم التي تمنح المجتمعات تماسكها. ويكتسب هذا التوظيف دلالة خاصة إذا استحضرنا أن الأندلس ما تزال، في الكتابات الفكرية والأدبية المعاصرة، رمزا متجددا يستدعي أسئلة الصعود والانهيار والتحولات الحضارية. وتنطلق الأحداث من واقعة اختفاء شخصية تدعى الهواري بوقنوفة داخل قطار، وهي حادثة تبدو عابرة في ظاهرها، لكنها تتحول تدريجيا إلى مدخل للكشف عن هشاشة العلاقات الإنسانية وتفكك الروابط داخل جماعة اختارت، أو اضطرت، إلى أن تستقل القطار بمحطة انطلاقه «غرب» ومحطة وصوله «شرق»، من دون محطات توقف أثناء المسير. ومن خلال الشخصيات والأحداث المتشابكة والمتماسكة في آن، وكذلك من خلال الحوارات داخل الرواية التي صاغها ميلود بعفوية تجعل القارئ يشعر بأن قائلها يتنفس فعلا، تتسارع أسئلة تتعلق بالتناقض بين الخطاب والممارسة، وبالعلاقة المعقدة بين السلطة والقيم والصورة الإعلامية. كما تحضر قضايا الهوية والذاكرة والأرض والمال بوصفها عناصر فاعلة في تشكيل الصراعات التي تعيشها الشخصيات، في وقت تبدو فيه الحقيقة نفسها عرضة لإعادة الصياغة والتأويل. الرواية تعرض علينا وجهين، أحدهما جميل والآخر قبيح. أما الجميل فيها، فهي لا تبحث في سقوط الأندلس بوصفه حدثا من الماضي، وهذا في حد ذاته تجاوز للنكسة، إن صح التعبير. بينما وجهها القبيح يبحث في أشكال السقوط التي قد تتكرر في الحاضر، من خلال استثمار اقتصادي في مجال العقار، سينتج لنا مجمعا سكنيا تحت مسمى «الأندلس». الملاحظة التي يسجلها القارئ أنه باستطاعته التجول في فضاءات الرواية وخاصة محطة القطار بأريحية ومن دون عناء، يمكنه تخيل تفاصيلها من اللوحات المكتوبة باللغة العربية، والألوان، والأبواب الزجاجية العاكسة للوجوه. تلك كانت إحدى نقاط قوة الروائي الذي حول لنا المكان المتخيل إلى مكان حقيقي موجود. ومن يدري، قد تكون ذاكرة الياسمني قد نهلت من صور عاشها قبل هذا الوقت في محطة ما من محطات تنقله بين الكلمات الإبداعية. يمكن الحديث عن أهمية الرواية انطلاقا من توظيفها لرمز الأندلس توظيفا يتجاوز الدلالة التاريخية التقليدية. فهو يستحضر في بعض الحوارات تطاحن العرب في ما بينهم، ويسأل الكاتب على لسان أحد أبطال روايته: لماذا؟ رغم أن الجواب كان جاهزا، فإنه غير مقنع، خاصة في ظل اختلاف وجهات النظر بين هذا وذاك، وتناسل الأحداث والأحاديث بين الموحدي وبوقنوفة والكعبي وغيرهم من شخصيات اختار الكاتب أسماءها بعناية، وكلها تحيل على موروث حاضر في المغرب من غربه إلى شرقه. كما أنها شخصيات لا تؤدي وظيفة سردية فحسب، بل تحمل أبعادا رمزية وفكرية متعددة. لذلك فإن الأندلس لا تظهر باعتبارها مجرد أرض ضائعة أو مرحلة من الماضي، وإنما باعتبارها رمزا لحالة سقوط متواصلة، خاصة سقوط القيم أو الوعي أو القدرة على بناء جماعة متماسكة. ويبقى جزء أساسي من العنوان ربما لم يأخذ حقه كما ينبغي داخل الرواية، وهي شخصية «زرقاء اليمامة»، تلك الشخصية التراثية التي اشتهرت بقدرتها على رؤية الأخطار قبل وقوعها. فهل تمكنت من استشراف خطر سقوط الأندلس مثلا، أو سقوط قيم الناس، وسقوط التماسك، وسقوط الحقيقة، وضياع بوصلة الأخلاق الجماعية؟ طبعا، الجواب في تفاصيل الرواية عبر تلك الأحداث والحوارات والشخصيات والتجاذبات، وتلك الأندلس التي كانت، فصارت «مجمعا سكنيا» يستدعي اجتماعا على متن قطار متحرك من الغرب إلى الشرق. وعلى هذا الأساس، تتجاوز رؤية الحكاية المباشرة نحو تأمل أوسع في مصير الفرد والجماعة، والربط بين الماضي والحاضر، والتفاعل بين الذاكرة والواقع، لتجعل من سؤال السقوط سؤالا حضاريا وأخلاقيا وفكريا قبل أن يكون سؤالا تاريخيا.
من أندلس الذاكرة إلى أندلس الرواية.. ميلود الياسمني يعتذر لزرقاء اليمامة
الرباط ـ «القدس العربي» : قد يبدو عنوان من قبيل «عفوا زرقاء اليمامة، الأندلس لم تسقط، ولكن؟!» مرهقا وطويلا، ولا يناسب أذواق أصحاب العناوين البراقة، كما أنه قد لا يناسب عناوين الأعمال الأدبية التي ألفنا أن تكون مختصرة ومركزة، ويتدخل فيها الناشر بشكل كبير بهدف تحقيق انتشار واسع للك...
الأخبار العاجلة تصلك أولاً على تلغرام
انضم لقناتنا لتتابع أهم الأخبار فور وقوعها، بدون تعقيد.