لم يحتج الفنان اللبناني فضل شاكر إلى قياس مدى تذكّر جمهوره في جدة لأغانيه، فبمجرد أن أطلق صوته على مسرح «عبادي الجوهر أرينا»، تبيّن أن سنوات الغياب الطويلة لم تنجح في محو أعماله من ذاكرة محبيه. ارتفعت الأصوات مع المقاطع المعروفة، وسبق بعض الحضور المطرب في ترديد كلمات الأغاني، في أمسية تحوّل فيها الجمهور من مستمع سلبي إلى شريك فاعل في الأداء، وكأن هذا اللقاء تأخر سنوات لكنه بقي محفوراً في الوجدان.
وتمثلت ليلة الخميس في حلقة جديدة من رحلة «عودة الغايب»، التي أعادت شاكر إلى الواجهة الفنية بعد غياب دام نحو 14 عاماً، حيث تنقل بين الرياض والمنطقة الشرقية وصولاً إلى جدة، في حفل شهد إقبالاً كبيراً تحت شعار «كامل العدد». وخلال الحفل، استعاد الفنان جزءاً مهماً من رصيده الفني، إلى جانب مفاجآت شملت مشاركة الفنانة اللبنانية يارا ونجله محمد شاكر، فضلاً عن موهبة تركية صغيرة أبهرت الحاضرين بمهارتها في العزف على آلة القانون.
ومنذ البداية الأولى، بدا أن الرابطة بين فضل شاكر وجمهوره تتجاوز مجرد الاستماع؛ فمع أغنية «أحلى رسمة»، المعروفة بمقطع «إلا وأنا معاك»، انخرط الجمهور في ترديد الكلمات، لتتوالى بعدها الأغنيات التي رسخت مكانته في الوجدان العربي، مثل «لو على قلبي»، و«وافترقنا»، و«فين لياليك»، و«يا حياة الروح»، وغيرها من الأعمال المرتبطة بمحطات مختلفة في مسيرته.
وعبّر فضل شاكر عن انبهاره بحماس الاستقبال، موضحاً أنه كان يستفسر قبل وصوله عن أجواء حفلات جدة، وسمع عنها أوصافاً إيجابية، لكنه اكتشف أنها في الواقع أجمل مما بلغه. وجاءت هذه التصريحات وسط تفاعل جماهيري لم يكتفِ بالتصفيق، بل رافق المطرب بالغناء في أغلب فقرات الحفل.
ولم تقتصر الأمسية على إعادة تقديم أغانيه السابقة؛ إذ أضاف شاكر أحدث أعماله «نام الليل»، التي صدرت قبل الحفل بيومين، ضمن ألبومه الجديد المنتظر «حلم جديد»، مما يشير إلى أن عودته المسرحية تتزامن مع انطلاق مرحلة إنتاجية فنية جديدة.
ومن أبرز لحظات الحفل، ظهور الطفل التركي آيتاش دوغان جونيور (Aytaç Doğan Jr)، حفيد الموسيقار التركي المعروف آيتاش دوغان، أحد أعضاء فرقة «تاكسيم تريو». وعلى الرغم من صغر سنه الذي يبلغ ثماني سنوات، نجح العازف الصغير في خطف الأنظار بمهارته في العزف على القانون، حيث قدم عزفاً منفرداً خلال أغنيتَي «معقول» و«صحّاك الشوق»، كاشفاً عن موهبة استثنائية وقدرة على التعامل مع المقامات الشرقية.
وقد قاد فرقة الحفل الموسيقية المايسترو مجد جريدة، بمشاركة نخبة من الموسيقيين العرب، من بينهم عازف القانون العراقي حسن فالح، الذي أضفى بلمسته الخاصة طابعاً شرقياً على التوزيعات الموسيقية.
وكان ظهور محمد شاكر إلى جانب والده لحظة مميزة، حيث تشاركا في غناء أغنية «كذبة وصدّقتها»، قبل أن يتنحى فضل شاكر عن المسرح ليترك المجال لنجله الذي أدّى مجموعة من الأغاني، من بينها «ضحكة الدنيا»، و«يا غايب ليه ما تسأل»، و«سهران حبيبي»، و«يا حياتي اسأل عليّ».
وأضفى هذا اللقاء بين الأب وابنه طابعاً عائلياً على الحفل، جامعاً بين تجربتين غنائيتين تمثلان جيلين مختلفين على نفس الخشبة.
أما المفاجأة الأخرى، فكانت حضور الفنانة اللبنانية يارا، التي أدت مع فضل شاكر أغنيتهما الشهيرة «خدني معك»، بعد مرور نحو عقدين على إصدارها عام 2006. وأعاد هذا التعاون إحياء ذكرى أحد الثنائيات الفنية المرتبطة بالغناء الرومانسي العربي، وسط تفاعل واسع مع عودة الصوتين للغناء معاً.
واستمر شاكر في تقديم عدد من أعماله، شملت «يا غايب»، و«بيّاع القلوب»، و«فاكر لما تقولي»، و«الله أعلم»، كما اختار أداء أغنية فيروز «سألوني الناس»، مستحضراً صوتها للتعبير عن شوقه، في إحدى اللحظات الهادئة التي ميزت الأمسية.
وبين الأغنيات التي رافقت الجمهور لسنوات، ومشاركة ابنه ويارا، وموهبة الطفل التركي، لم تكن ليلة جدة مجرد استعراض لنجاحات قديمة؛ بل قدمت صورة لفنان يعاود الظهور بأعمال جديدة، معتمداً على رصيد فني لا يزال حاضراً في قلوب محبيه.
ومع انتهاء الحفل، بدا واضحاً أن سنوات ابتعاد فضل شاكر عن المسرح لم تقوّض علاقته بجمهوره، الذي استقبله بالغناء كما ودّعه به، مؤكداً أن «الغايب» عاد إلى خشبة المسرح، بينما بقيت أغانيه حاضرة في الأذهان طوال فترة غيابه.