غش أخشاب العود يتسلل للمباخر
“الكيلو” من العود قد يتقلص إلى 600 غرام صمغ يخفي كسور بعض قطع العود المظهر وحده لا يكشف الحقيقة تهيج العين والأنف يستدعي الحذر أثناء الاستخدام الكسور والشوائب تقلّص الكمية الصالحة للبيع وراء الرائحة التي تعبّر عن الكرم والضيافة، وت...
“الكيلو” من العود قد يتقلص إلى 600 غرام
صمغ يخفي كسور بعض قطع العود
المظهر وحده لا يكشف الحقيقة
تهيج العين والأنف يستدعي الحذر أثناء الاستخدام
الكسور والشوائب تقلّص الكمية الصالحة للبيع
وراء الرائحة التي تعبّر عن الكرم والضيافة، وترافق المجالس والمناسبات في البحرين ودول الخليج العربي، رحلة طويلة تمر بها أخشاب العود قبل وصولها إلى المستهلك، تبدأ من مصادر إنتاجها، ولا تنتهي عند استيرادها وعرضها في الأسواق، بل تشمل مراحل الفرز والتنظيف والتجهيز، التي قد تكشف عن عيوب لا تظهر للعين المجردة، أو عن مواد أضيفت إلى بعض القطع لتحسين مظهرها وإخفاء ما بها من كسور.
وفي الوقت الذي تتعدد فيه مصادر أخشاب العود وتتفاوت أسعارها تبعاً لنوعها وجودتها وخصائصها العطرية، تبرز تساؤلات بشأن مدى قدرة المستهلك على التمييز بين الخشب الطبيعي والقطع التي قد تكون تعرضت للترميم بمواد لاصقة أو المعالجة بأصباغ تجميلية، خصوصاً أن المظهر الخارجي وحده لا يكفي للحكم على جودة المنتج أو سلامته.
ويكشف مستورد أخشاب العود محمد جناحي، المتخصص في تجارة هذه الأخشاب، في حديثه لـ “البلاد”، عن ممارسات قال إنها قد تظهر في مراحل تجهيز بعض القطع، مؤكداً أن الفحص الدقيق والتنظيف يمثلان خط دفاع مهماً لاستبعاد الأجزاء غير المطابقة لمعايير الجودة.
مواد “الغلو”
يوضح جناحي أن بعض القطع المكسورة من أخشاب العود قد تُجمع مجدداً باستخدام مواد صمغ لاصقة، تُعرف تجارياً باسم «الغلو» Glue، في محاولة لإخفاء الكسور والمحافظة على مظهر الخشب، مشيراً إلى أن اكتشاف هذه المواد قد يكون صعباً إذا لم تخضع القطع للفحص والتدقيق.
ويربط جناحي بعض هذه الممارسات بمحاولة تفادي المساءلة أو الخصم من أجور العمال عند تعرض الأخشاب للتلف في الدول المصدرة لأخشاب العود، لافتاً إلى أن القطع التي تحتوي على آثار واضحة للصمغ تستدعي التعامل معها بحذر، سواء بإزالة الأجزاء المتضررة أو باستبعادها من البيع إذا تعذر التأكد من سلامتها وجودتها.
ولا تتوقف أهمية هذه المرحلة عند تحسين الشكل النهائي للخشب، بل تمتد إلى التأكد من أن المنتج المعروض للبيع لم يتعرض لمعالجة تخفي عيوبه الحقيقية أو تؤثر في خصائصه عند الاستخدام.
ويشير جناحي كذلك إلى احتمال استخدام مواد صبغية لتحسين اللون الخارجي لبعض القطع الخشبية للعود، بما يجعلها تبدو أكثر جاذبية، أو يساعد على إخفاء عيوب شكلية.
ويؤكد أن الفحص الدقيق قد يكشف آثاراً لهذه المعالجات، وإن كان تحديد طبيعة المادة المستخدمة يتطلب، عند الاشتباه، وسائل فنية تتجاوز الملاحظة البصرية وحدها.
حرق الخشب
تتجاوز المسألة حدود المظهر والسعر المرتفع عندما يتعلق الأمر بحرق الأخشاب واستنشاق الدخان المنبعث منها، فبحسب جناحي، قد يلاحظ المستخدم روائح غير مألوفة عند احتراق بعض القطع التي تحتوي على مواد غريبة، وقد يشعر بحرقة في العينين أو الأنف، وهو ما يستدعي التوقف عن استخدامها وعدم تجاهل الأعراض.
لكن ظهور رائحة غير معتادة أو تهيج للجيوب الأنفية أثناء الاستنشاق لا يكفي وحده لتحديد المادة المسببة أو تقدير مستوى خطورتها، كما أن غياب هذه العلامات لا يثبت بالضرورة سلامة المنتج، ويتوقف تقييم المخاطر على معرفة التركيب الكيميائي للمواد المستخدمة، وطبيعة نواتج الاحتراق، ودرجة التعرض لها.
ومن هنا تبرز أهمية إخضاع المنتجات المشتبه فيها للفحص المختبري، بدلاً من الاكتفاء بالحكم عليها من خلال الرائحة أو لون الدخان، كما أن وصف خشب العود بأنه طبيعي لا يعني تلقائياً أن استنشاق دخانه خالٍ من المخاطر؛ فعملية الاحتراق نفسها تنتج ملوثات قد تختلف كمياتها بحسب ظروف الاستخدام ونوع المادة المحترقة.
600 غرام
ومن التفاصيل التي يلفت إليها جناحي أن تنظيف أخشاب العود وفرزها قد يؤديان إلى انخفاض ملحوظ في الكمية الصالحة للبيع، تبعاً لنوع الخشب وحالته ودرجة تعرضه للتكسر أو احتوائه على شوائب وأجزاء غير مرغوبة.
ويوضح أن بعض الأنواع قد تفقد نحو 40 % من وزنها خلال مراحل التنظيف والفرز، بحيث لا يتبقى من كل كيلوغرام سوى نحو 600 غرام من الخشب المقبول للبيع، في حين قد تتراجع نسبة الفاقد في أنواع أخرى إلى نحو 5 % أو 10 %.
ويضيف أن بعض الأخشاب تكون أكثر عرضة للتفتت والتكسر أثناء النقل والتجهيز، ما يزيد من حجم الفاقد ويؤثر في الكمية النهائية التي يمكن طرحها في السوق.
وتعكس هذه الأرقام، بحسب وصفه، تفاوتاً في طبيعة الأخشاب وحالتها، لكنها لا تمثل نسبة ثابتة تنطبق على جميع الأنواع أو الشحنات، إذ تتطلب المقارنة الدقيقة توثيق الكميات قبل التنظيف وبعده، وتحديد أسباب الفاقد، والتمييز بين الوزن المستبعد بسبب الشوائب والكسور والوزن المفقود لأسباب أخرى.
تعدد المصادر
وتستقبل أسواق البحرين ومنطقة الخليج العربية أخشاب العود القادمة من مصادر متعددة، من بينها الهند وكمبوديا وفيتنام وتايلند وماليزيا وإندونيسيا، إلى جانب دول أخرى توسعت في زراعة أشجار العود ومنها الصين.
ويشير جناحي إلى أن لكل مصدر خصائصه العطرية التي تميز بعض أنواعه عن غيرها، سواء من حيث طبيعة الرائحة أو كثافتها أو مدى ملاءمة الخشب للاستخدام على الفحم، لافتاً إلى أن محتوى “الراتنج العطري” من العوامل المؤثرة في قيمة الخشب وخصائصه، غير أن بلد المنشأ، على أهميته، لا يكفي وحده للحكم على جودة كل قطعة، كما أن اللون الداكن أو ارتفاع السعر لا يشكلان ضماناً للأصالة، فالتفاوت الطبيعي بين الأخشاب، واختلاف درجات الجودة والمعالجة والتخزين، تجعل تقييم المنتج بحاجة إلى النظر في مجموعة من الخصائص، وليس إلى مؤشر واحد.
ويؤكد ذلك أهمية معرفة بيانات المنتج ومصدره، وفحص القطع قبل شرائها، وعدم الاعتماد على المظهر الخارجي أو التصنيفات التجارية وحدها عند اتخاذ قرار الشراء.
طرق الحماية
في سوق تتفاوت فيه الأسعار تبعاً لنوع أصناف أخشاب العود وجودته، قد يجد المستهلك صعوبة في تقييم المنتج، خصوصاً عند شراء قطع مرتفعة الثمن أو أنواع لا يمتلك خبرة سابقة في التعامل معها. وينصح بالشراء من منافذ موثوقة، وطلب معلومات واضحة عن نوع الخشب ومصدره ودرجة جودته، والاستفسار عن أي معالجة أُجريت عليه، مع الحذر من القطع التي تظهر عليها آثار ترميم أو طلاء غير مفسر.
كما أن تجربة عينة من المنتج لدى البائع قد تساعد في التعرف إلى خصائص رائحته عند التسخين، لكنها لا تمثل اختباراً علمياً قاطعاً لإثبات الأصالة أو السلامة الصحية، ولا يمكن اعتبار الدخان الأبيض أو الأزرق، أو ثبات الرائحة، أو غياب تهيج العين والأنف، دليلاً منفرداً على خلو الخشب من المواد المضافة. وفي حال ظهور رائحة كيميائية غير مألوفة أو حدوث تهيج للأنف أثناء الاستخدام، فإن الإجراء الأكثر احتياطاً هو إيقاف الحرق لكسرة العود، وتهوية المكان، وتجنب مواصلة استنشاق الدخان.
خبرة التاجر
وتعيد هذه الممارسات المحتملة طرح سؤال بشأن آليات التحقق من جودة أخشاب العود المتداولة في السوق، ومدى الحاجة إلى تعزيز إجراءات الفحص عند الاستيراد والتجهيز والبيع، ولا سيما عندما تكون هناك شبهات تتعلق باستخدام مواد لاصقة أو أصباغ لا يُعرف تركيبها.
فالخبرة التجارية تؤدي دوراً مهماً في ملاحظة الاختلافات بين قطع أخشاب العود، لكنها لا تغني عن التحليل الفني عند الاشتباه في وجود مواد قد تؤثر في سلامة المنتج. كما أن الفصل بين الغش التجاري والعيوب الطبيعية في الخشب يتطلب معايير واضحة، وبيانات دقيقة عن المنتج، وأدلة قابلة للتحقق.
وبين قيمة العود بوصفه جزءاً من ثقافة الضيافة الخليجية، وما قد يعتري بعض المنتجات من عيوب أو معالجات غير معلنة، تبقى جودة الخشب مسألة تتجاوز الرائحة والمظهر والسعر؛ لتشمل الشفافية في البيع، ودقة الفحص، وحق المستهلك في معرفة ما يشتريه وما يستخدمه.
الأخبار العاجلة تصلك أولاً على تلغرام
انضم لقناتنا لتتابع أهم الأخبار فور وقوعها، بدون تعقيد.