تذكرت حكمة دائمًا ما كان يرددها شيوخنا ومعلمونا في جلسات بناء العلم والخبرة لأجيال المستقبل، والتي كنا دائمًا ما نستقيها من لدن هؤلاء الذين يمثلون العلم والتاريخ والفلسفة والحضارة، وتقول الحكمة: (ليست العبرة أن تمتلك مفاتيح الأبواب، بل أن تعرف أي الأبواب يستحق أن تفتحه). وجاءت في خاطري هذه الحكمة دون حك للذاكرة أو شفط للأحداث، بل هي قراءة على أرض الواقع التي تبهج الأفكار وتستقبل الأنوار، فجعلتني أذهب إلى دلالات ونتائج توقيع (28) اتفاقية استثمارية تتجاوز قيمتها (304) ملايين ريال عُماني، هذا الخبر الذي أعلن عنه مؤخرًا، وهو خبر مبهج ضمن العديد من الأخبار المبهجة التي تنير لنا طريق المستقبل، وتثبت أن رؤية «عُمان 2040» تتحقق على أرض الواقع يومًا بعد يوم. لذلك لا يمكن قراءة توقيع (28) اتفاقية استثمارية في المناطق الاقتصادية الحرة والمدن الصناعية بسلطنة عُمان، بقيمة تتجاوز (304) ملايين ريال عُماني، باعتباره مجرد إضافة رقمية إلى سجل الاستثمارات، بل ينبغي النظر إليه باعتباره مؤشرًا على مسار اقتصادي يسعى إلى إعادة تشكيل هيكل الإنتاج الوطني، وتعزيز قدرة الاقتصاد العُماني على الانتقال من الاعتماد على الموارد الطبيعية إلى توسيع قاعدة الأنشطة الصناعية والتصديرية. وتكمن أهمية هذه الاتفاقيات في تنوعها القطاعي والجغرافي، إذ تتوزع بين الصناعات المعدنية، وتجميع السيارات، ومكونات الطاقة، والأعلاف السمكية، والتقنيات المرتبطة بالسيارات الكهربائية، بما يعكس اتجاهًا نحو بناء قاعدة إنتاجية متعددة الأنشطة، تستفيد من المزايا التنافسية للموانئ والمناطق الحرة والمدن الصناعية. وتبرز المنطقة الصناعية بصحار بصورة لافتة، من خلال مشروعات الحديد والصلب وتجميع السيارات والصناعات الكهربائية، وهي استثمارات تحمل دلالة تتجاوز حجم رؤوس الأموال، إلى إمكانية تأسيس سلاسل توريد صناعية مترابطة، تفتح المجال أمام الموردين المحليين، وتزيد فرص التصنيع والتصدير. أما المنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم، فتقدم نموذجًا مختلفًا يقوم على استثمار الموقع الاستراتيجي والبنية الأساسية والمقومات البحرية في تطوير صناعات جديدة، من بينها الأعلاف السمكية، بما يربط الاستثمار الصناعي بالأمن الغذائي والاقتصاد البحري. وفي صلالة وخزائن ومدن مدائن الصناعية، تتسع الخريطة الاستثمارية لتشمل أنشطة متنوعة، تؤكد أن التنمية الصناعية ليست محصورة في مركز جغرافي واحد، وإنما تقوم على توزيع الفرص الاقتصادية والاستفادة من الخصائص النسبية لكل منطقة.
أما القيمة الاستراتيجية الحقيقية لهذه الاتفاقيات فلن تُقاس بحجم الاستثمارات المعلنة وحده، وإنما بقدرتها على التحول إلى مشروعات منتجة، وخلق وظائف نوعية، وزيادة الصادرات غير النفطية، وتعزيز المحتوى المحلي، ونقل المعرفة والتكنولوجيا. وهنا تحديدًا تظهر أهمية الربط بين هذه الاستثمارات ومستهدفات رؤية «عُمان 2040» والخطة الخمسية الحادية عشرة، باعتبارهما إطارًا لتحويل النمو الاستثماري إلى نمو اقتصادي مستدام. إن التحدي الذي يواجه المرحلة المقبلة ليس جذب المزيد من رؤوس الأموال فحسب، بل بناء اقتصاد تستطيع فيه الاستثمارات أن تولّد استثمارات أخرى، وتتحول فيه المصانع إلى حلقات مترابطة في منظومة إنتاج وتصدير متكاملة. فالقيمة الحقيقية للاستثمار لا تكمن في الأموال التي تدخل الاقتصاد، وإنما في القدرات التي يتركها وراءه. وبصفة خاصة أرى أن نجاح السياسة الاقتصادية وجذب رؤوس الأموال من أجل زيادة الاستثمار في سلطنة عُمان لن يكون في عدد الاتفاقيات التي يتم توقيعها، وإنما في قدرتها على تحويل كل اتفاقية إلى نواة لنشاط اقتصادي آخر، وهذه هي المسافة الفاصلة بين اقتصاد يجذب الاستثمار واقتصاد يصنع التنمية. وإن كان رهاني المبني على الرؤية العملية يقول إن سلطنة عُمان تسير بمنظومة تعي جيدًا كيف تنفذ طموحات التنمية وخططها المستقبلية من أجل الناتج القومي وتحقيق الرفاهية للمواطنين.