قد تلاحظ الأم أن طفلها لا يكتفي بمشاهدة الرسوم المتحركة، بل يطلب الشخصية نفسها في كل مرة، ويرفض أحياناً الانتقال إلى مسلسل آخر، ويختار ملابسه وألعابه وأدوات طعامه التي تحمل صورتها، بل قد يحاول تقليد حركاتها وطريقة حديثها وردود أفعالها، وكأن هذه الشخصية أصبحت صديقاً قريباً يرافقه طوال يومه، وقد يبدو هذا التعلق مبالغاً فيه من وجهة نظر الكبار، خصوصاً عندما يصرّ الطفل على مشاهدة الحلقة نفسها مرات متكررة أو يرفض النوم من دون دميته المفضلة، إلا أن وراء هذا السلوك مجموعة من التفسيرات النفسية والتربوية المرتبطة بنمو الطفل وتطوره العاطفي والاجتماعي وقدرته على فهم العالم المحيط به. فالشخصيات الكرتونية ليست مجرد رسوم ملونة تتحرك على الشاشة، بل قد تتحول في خيال الطفل إلى نماذج يتعلم من خلالها الشجاعة والتعاون والصداقة والتعبير عن المشاعر، كما أنها تمنحه شعوراً بالألفة والأمان؛ لأن تصرفاتها غالباً ما تكون متوقعة، ومواقفها مألوفة، ومغامراتها تنتهي بطريقة يستطيع الطفل فهمها واستيعابها، وهو ما يفسر لماذا يتمسك بعض الأطفال بشخصية واحدة تحديداً، حتى عندما تتوافر أمامهم عشرات الشخصيات الأخرى.
لا يتعلق الأمر دائماً بجمال الشخصية أو ألوانها أو شكلها الطريف، فقد ينجذب الطفل إلى شخصية تشبهه في طريقة التفكير أو الحركة أو التعامل مع الآخرين، وربما يجد فيها صفات يتمنى امتلاكها، فالطفل الخجول قد يحب شخصية شجاعة تتحدث بثقة، والطفل كثير الحركة قد ينجذب إلى شخصية مغامرة لا تتوقف عن الاستكشاف، بينما قد يفضل الطفل الحساس شخصية لطيفة تعبّر عن مشاعرها بسهولة وتجد من يساندها عندما تواجه مشكلة. ومن الأسباب المهمة أيضاً أن الشخصيات الكرتونية تمنح الأطفال فرصة للتعرف إلى المشاعر المعقدة بطريقة مبسطة، فعندما يشاهد الطفل شخصية تشعر بالخوف أو الغضب أو الحزن ثم تتعلم كيفية التعامل مع هذه المشاعر، فإنه يبدأ تدريجياً في فهم تجاربه الشخصية، وقد يستخدم الكلمات أو التصرفات التي شاهدها على الشاشة للتعبير عما يحدث داخله، كما أن تكرار مشاهدة الشخصية نفسها يساعده على توقع الأحداث، وهو أمر يمنحه الراحة النفسية في مرحلة يتغير فيها عالمه بسرعة. وقد يرتبط التعلق أيضاً بمرحلة عمرية معينة، إذ يميل الأطفال الصغار إلى الشخصيات ذات الملامح الواضحة والأصوات المميزة والحركات المتكررة، بينما يبدأ الأطفال الأكبر سناً في الاهتمام بالقصص والشخصيات التي تمتلك أهدافاً وتواجه تحديات وتكوّن صداقات، ولذلك لا يمكن تفسير انجذاب الطفل إلى شخصية كرتونية بعينها من خلال الشكل وحده، بل ينبغي النظر إلى الرسائل التي تقدمها وإلى الاحتياجات النفسية التي تلبيها لدى الطفل.
تعد شخصية ميكي ماوس من الشخصيات التي استطاعت الحفاظ على شعبيتها عبر أجيال متعاقبة، وربما يعود ذلك إلى ملامحها البسيطة وابتسامتها الدائمة وطريقتها المرحة في التعامل مع المواقف اليومية، فالطفل لا يحتاج إلى فهم قصة معقدة حتى يستمتع بمشاهدتها، إذ يستطيع التعرف إلى الشخصية بسهولة من خلال أذنيها المستديرتين وصوتها وحركاتها المميزة. ويجد الأطفال في ميكي نموذجاً للشخصية الودودة التي تحاول مساعدة الآخرين وتجاوز المشكلات بروح إيجابية، كما أن ظهوره المتكرر في القصص والألعاب والملابس والبرامج؛ يجعل حضوره مألوفاً في حياة الطفل، فيشعر أنه يعرفه منذ وقت طويل، وقد يتحول هذا الشعور بالألفة إلى ارتباط عاطفي؛ يجعله يختار كل ما يحمل صورته، ويطلب مشاهدة مغامراته، حتى لو كان يعرف تفاصيلها مسبقاً.
تجذب شخصية سبايدرمان الأطفال الذين يحبون المغامرات والحركة، خصوصاً أنها تجمع بين حياة الفتى العادي وحياة البطل الخارق، فهو يواجه مشكلات يومية ويشعر بالخوف أحياناً، لكنه يستخدم قدراته لمساعدة الآخرين وحماية من يحتاجون إليه، وهذا التناقض بين الضعف الإنساني والقوة الخارقة؛ يجعل الشخصية قريبة من خيال الطفل. وقد يتعلق الطفل بسبايدرمان لأنه يتمنى امتلاك قدراته، مثل التسلق والقفز وإطلاق خيوط العنكبوت، أو لأنه يرى فيه صورة للبطل الذي يستطيع مواجهة المخاطر من دون الاستسلام، كما أن ارتداء قناعه يمنح الطفل فرصة لتقمص شخصية مختلفة والتعبير عن شجاعته من خلال اللعب التخيلي، لكن من المهم أن تشرح الأم له أن البطولة الحقيقية لا تعني الدخول في مغامرات خطيرة أو تقليد الحركات الخارقة، وإنما تعني مساعدة الآخرين والتصرف بمسؤولية.
قد تتعلق الطفلة بشخصية إلسا؛ لأنها تبدو مختلفة وتمتلك قوة استثنائية، لكنها في الوقت نفسه تمرّ بمشاعر الخوف والقلق والوحدة، وتحاول فهم قدراتها والتعامل معها، وهو ما يجعلها أكثر من مجرد أميرة ترتدي فستاناً جميلاً، إذ تقدم قصة إلسا مساحة للتعرف إلى فكرة تقبّل الذات وعدم الخجل من الاختلاف. وقد تجد الطفلة التي تواجه صعوبة في التعبير عن مشاعرها نموذجاً يشجعها على الحديث عما يزعجها، كما يمكن أن تنجذب إلى استقلالية إلسا وقوتها وقدرتها على اتخاذ القرارات، وربما يكون إعجابها بملابس الشخصية وتسريحة شعرها وأغنياتها جزءاً من هذا الارتباط، إذ تستخدم الطفلة تقليدها في اللعب والتمثيل لتجربة أدوار جديدة والتعبير عن خيالها، وهنا تستطيع الأم تحويل هذا الاهتمام إلى حوار عن الشجاعة والصداقة، وأهمية طلب المساعدة عندما نشعر بالخوف.
يحب كثيرٌ من الأطفال شخصية سبونج بوب؛ بسبب حركاتها الغريبة وطريقتها المبالغ فيها في التعبير عن الفرح والدهشة، فضلاً عن عالمها البحري الملون والمواقف الكوميدية التي تتعرض لها، فالطفل في سنواته الأولى ينجذب عادة إلى الشخصيات التي تقدم له مفاجآت بصرية وصوتية وتجعله يضحك من دون الحاجة إلى متابعة قصة معقدة. كما أن سبونج بوب يقدم نموذجاً لشخصية متفائلة تحب عملها وتستمتع بالأشياء الصغيرة، وقد يجد الطفل في حماسه وفضوله وسيلة للتعبير عن طاقته ورغبته في اكتشاف العالم، بينما تمنحه المواقف الطريفة فرصة لفهم الفكاهة واللعب بالكلمات والتعبيرات، لكن من المفيد أن تنتبه الأم إلى طبيعة الحلقات التي يشاهدها طفلها، لأن بعض المواقف تعتمد على المبالغة أو السخرية أو التصرفات غير المناسبة، ويمكنها أن تشرح له الفرق بين المزاح اللطيف والسلوك الذي قد يزعج الآخرين.35 لغزاً طويلاً وممتعاً عن القصص والشخصيات الكرتونية للأطفال
تختلف شخصية دورا المستكشفة عن كثير من الشخصيات الكرتونية، لأنها لا تكتفي بعرض المغامرات أمام الطفل، بل تخاطبه مباشرة وتطلب منه المشاركة في حل المشكلات والإجابة عن الأسئلة وتحديد الاتجاهات، ولذلك يشعر الطفل بأنه جزء من القصة وليس مجرد مشاهد يجلس أمام الشاشة. وقد يكون هذا التفاعل أحد أهم أسباب تعلقه بها، إذ تمنحه فرصة للشعور بأنه ذكي وقادر على المساعدة، كما تساعده المغامرات على تعلم كلمات جديدة والتعرف إلى الألوان والأرقام والاتجاهات وبعض المفردات الأجنبية، وتدفعه إلى التفكير قبل معرفة الإجابة، ويمكن للأم أن توسع أثر هذه التجربة؛ من خلال طرح أسئلة مشابهة أثناء اللعب أو تشجيعه على رسم خريطة صغيرة والبحث عن أشياء مخبأة في المنزل، وبذلك يتحول الإعجاب بالشخصية إلى نشاط تعليمي بعيد عن الشاشة.
تجذب شخصية ماشا الأطفال بسبب فضولها الشديد وحركتها المستمرة ورغبتها في اكتشاف كل شيء من حولها، فهي شخصية لا تتوقف عن طرح الأسئلة وخوض التجارب، حتى عندما تؤدي تصرفاتها إلى مواقف مضحكة أو مشكلات غير متوقعة، بينما يمثل الدب شخصية أكثر هدوءاً تحاول التعامل مع مغامراتها بصبر واحتواء. وقد يجد الطفل في ماشا انعكاساً لفضوله ورغبته في تجربة الأشياء بنفسه، خصوصاً إذا كان في مرحلة الاستكشاف المستمر وطرح الأسئلة، كما تجذب العلاقة بينها وبين الدب الأطفال لأنها تجمع بين الاختلاف والمودة، وتوضح أن الصداقة لا تتطلب أن يكون الطرفان متشابهين في الطباع أو الاهتمامات، ومع ذلك ينبغي للأم أن تشرح لطفلها أن بعض تصرفات ماشا المندفعة قد تسبب الإزعاج للآخرين، وأن الفضول جميل عندما يصاحبه احترام القواعد ومراعاة مشاعر المحيطين بنا.
تتميز شخصية بلووي بأنها تقدم عالماً قريباً من الحياة الأسرية، إذ تدور مغامراتها حول اللعب مع أختها بينغو ووالديها، وتتناول مواقف يومية يمكن أن يمرّ بها أي طفل داخل المنزل أو خارجه، لكن ما يجعلها مميزة هو اعتمادها على اللعب التخيلي بوصفه وسيلة للتعلم والتواصل وفهم العلاقات. وقد يتعلق الطفل ببلووي لأنها تمنحه أفكاراً جديدة للألعاب التي يستطيع تنفيذها مع إخوته أو والديه، كما يرى من خلالها كيف يمكن تحويل الأشياء البسيطة إلى مغامرات ممتعة، وكيف يتعامل أفراد الأسرة مع الخلافات الصغيرة ويجدون طرقاً للتفاهم، وتساعد الحلقات أيضاً على إظهار أهمية الوقت الذي يقضيه الوالدان مع أطفالهما، ولذلك يمكن للأم أن تستفيد من هذا الاهتمام في ابتكار ألعاب منزلية مشتركة تعزز الخيال والتعاون، بدلاً من الاكتفاء بمشاهدة المغامرات على الشاشة.
من الطبيعي أن يمرّ الطفل بمرحلة يفضّل فيها شخصية كرتونية معينة، بل قد يستمر هذا الإعجاب لأشهر أو سنوات، ويظهر في اختياره للألعاب والملابس والقصص، أو في تكرار مشاهدة الحلقات وحفظ الأغنيات والعبارات، ولا يعني ذلك بالضرورة وجود مشكلة نفسية أو اجتماعية؛ إذ يمكن أن تكون الشخصية بالنسبة إليه وسيلة للعب والتعبير عن الذات والشعور بالراحة، خصوصاً خلال التغيرات التي يمرّ بها؛ مثل الانتقال إلى مدرسة جديدة، أو استقبال أخ أصغر، أو الابتعاد عن أحد الوالدين لفترة. لكن ينبغي الانتباه عندما يصبح التعلق مصحوباً برفض شديد لجميع الأنشطة الأخرى، أو نوبات غضب متكررة عند إيقاف الشاشة، أو اضطراب النوم، أو الانسحاب من اللعب والتواصل مع الأطفال الآخرين، ففي هذه الحالات لا تكون المشكلة في الشخصية نفسها، وإنما في تأثير المشاهدة على توازن حياة الطفل اليومية، وهنا تحتاج الأم إلى تنظيم وقت الشاشة تدريجياً وتوفير بدائل ممتعة تساعده على الانتقال إلى أنشطة أخرى.
بدلاً من السخرية من تعلق الطفل بشخصية معينة أو منعه منها بصورة مفاجئة، تستطيع الأم استخدام هذا الاهتمام لبناء جسور من التواصل معه، فتسأله عن أكثر ما يحبه في الشخصية، وما الذي كان سيفعله لو كان مكانها، ولماذا يعتقد أنها تصرفت بهذه الطريقة، وبذلك تتعرف إلى طريقة تفكيره والمشاعر التي تشغله، كما تساعده على تطوير قدرته على التعبير عن رأيه وتحليل المواقف. ومن المفيد أيضاً تحويل المشاهدة إلى أنشطة عملية، فإذا كان يحب سبايدرمان؛ يمكن تشجيعه على ابتكار قصة عن بطل يساعد الآخرين بطرق آمنة، وإذا كان يحب دورا؛ فيمكن إعداد خريطة للبحث عن كنز داخل المنزل، أما إذا كان يفضّل بلووي؛ فيمكن ابتكار لعبة عائلية مستوحاة من مغامراتها، كما تستطيع الأم تشجيعه على الرسم والتلوين وصناعة أقنعة ورقية للشخصية المفضلة، مع الحرص على ألا تتحول هذه الأنشطة إلى وسيلة لشراء كل منتج يحمل صورتها. ويظل اختيار المحتوى المناسب للعمر ومراقبة الرسائل التي تقدمها الشخصيات أمراً أساسياً؛ لأن الطفل لا يميز دائماً بين الخيال والواقع، وقد يحاول تقليد سلوك خطير أو استخدام كلمات غير لائقة إذا شاهدها بصورة متكررة، ولذلك ينبغي أن تكون المشاهدة ضمن وقت محدد ومصحوبة بحوار بسيط؛ يساعده على التمييز بين التصرف الصحيح والخاطئ.أشهر 10 شخصيات كرتونية لها تأثيراتها الإيجابية والسلبية في صحة الأطفال النفسية