سجلت شركات الاتصالات السعودية الثلاث المدرجة في السوق المالية نمواً في إيراداتها خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2026، حيث تجاوزت 22.2 مليار دولار (83.42 مليار ريال)، بزيادة نسبتها 3.67% مقارنةً بـ 21.46 مليار دولار (80.47 مليار ريال) في الفترة نفسها من العام السابق. ويعزى هذا الارتفاع إلى نمو إيرادات خدمات العملاء وقطاع الأعمال والنواقل والمشغلين، فضلاً عن تحسن بنية الإيرادات وتوسع أنشطة الشركات التابعة.
وتصدرت «إس تي سي» قائمة الشركات من حيث الحصة السوقية، إذ استحوذت على نحو 72% من إجمالي إيرادات القطاع، مسجلةً 16 مليار دولار (60.1 مليار ريال) بنمو سنوي بلغ 3.75%. وفي المقابل، حققت «موبايلي» نمواً في إيراداتها بنسبة 5.07% لتصل إلى 4.05 مليار دولار (15.19 مليار ريال)، بينما ارتفعت إيرادات «زين السعودية» بنسبة 0.57% لتبلغ 2.17 مليار دولار (8.14 مليار ريال).
يضم قطاع الاتصالات في السوق المالية السعودية أربع شركات مدرجة، منها ثلاث تنتهي سنتها المالية في ديسمبر (كانون الأول)، وهي: «الاتصالات السعودية» (إس تي سي)، و«اتحاد اتصالات» (موبايلي)، و«الاتصالات المتنقلة» (زين السعودية)، بينما تنتهي السنة المالية لشركة «اتحاد عذيب للاتصالات» (جو) في نهاية مارس (آذار) من كل عام.
كشفت البيانات المالية عن انخفاض صافي الأرباح المجمعة للشركات الثلاث بنسبة 2.07% خلال الأشهر التسعة الأولى من 2026، لتصل إلى حوالي 3.78 مليار دولار (14.17 مليار ريال)، مقارنةً بـ 14.47 مليار ريال في الفترة المماثلة من العام الماضي، ما يمثل تراجعاً يقارب 300 مليون ريال.
جاء هذا التراجع في الأرباح المجمعة نتيجة انخفاض أرباح «إس تي سي» بنسبة 5.71% لتسجل 10.92 مليار ريال مقابل 11.58 مليار ريال في الفترة المقارنة من 2025. في المقابل، ارتفعت أرباح «موبايلي» بنسبة 7.68% لتبلغ 2.71 مليار ريال مقارنةً بـ 2.51 مليار ريال، وقفزت أرباح «زين السعودية» بنسبة 45% لتصل إلى 541 مليون ريال مقابل 373 مليون ريال.
عزت «إس تي سي» انخفاض أرباحها الصافية إلى تأثير بنود غير متكررة، وانخفاض إيرادات التمويل مع ارتفاع تكاليفه، رغم نمو إيراداتها وأرباحها التشغيلية. وأوضحت الشركة أن صافي أرباحها نما بنسبة 2.6% بعد استبعاد أثر البنود غير المتكررة في الفترتين المقارنتين.
في المقابل، استفادت «موبايلي» من نمو إيراداتها وتحسن إجمالي الأرباح، بينما دعم تحسن مزيج الإيرادات وانخفاض تكاليف التمويل، إلى جانب تسجيل دخل غير متكرر من صندوق الخدمة الشاملة، ارتفاع أرباح «زين السعودية».
تؤكد النتائج المالية استمرار نمو إيرادات قطاع الاتصالات السعودي رغم تراجع صافي الأرباح المجمعة، في ظل تفاوت الأداء بين الشركات الثلاث وتأثير البنود غير المتكررة وتكاليف التمويل والمصروفات التشغيلية على مستويات الربحية.
علق الخبير المالي والاقتصادي، محلل الأسواق المالية، وعضو جمعية الاقتصاد السعودية، الدكتور سليمان آل حميد الخالدي، على هذه النتائج، مشيراً إلى أنها تعكس استمرار قوة الطلب على خدمات القطاع وتوسع أنشطته في ظل التحول الرقمي المتسارع في المملكة. وأكد أن ارتفاع الإيرادات المجمعة إلى 83.42 مليار ريال يثبت استمرار نمو الأعمال، رغم الاختلاف في مستويات الربحية بين الشركات.
وأوضح الخالدي أن نمو الإيرادات لا ينعكس حتماً بنفس النسبة على صافي الأرباح بسبب تأثير تكاليف التمويل والمصروفات التشغيلية والبنود غير المتكررة. ولفت إلى أن استحواذ «إس تي سي» على 72% من الإيرادات يجعل نتائجها مؤثرة مباشرة في الأداء المالي المجمع للقطاع، حتى مع تحسن أرباح الشركات الأخرى.
أضاف الخالدي أن تراجع صافي أرباح «إس تي سي» المعلنة لا يعكس بالضرورة ضعفاً في أدائها التشغيلي؛ إذ ارتفعت أرباحها التشغيلية بنسبة 4.1%، ونما صافي ربحها بنسبة 2.6% بعد استبعاد البنود غير المتكررة، مما يدل على استمرار نمو أنشطتها الأساسية وقدرتها على تحقيق نتائج تشغيلية إيجابية.
وبخصوص تباين أداء الشركات، أشار إلى أن «موبايلي» استفادت من نمو الإيرادات وتحسن إجمالي الأرباح، بينما جاء ارتفاع أرباح «زين السعودية» مدعوماً بتحسين مزيج الإيرادات وانخفاض تكاليف التمويل، وتسجيل دخل غير متكرر من صندوق الخدمة الشاملة. وأكد أهمية التمييز بين الأرباح التشغيلية والدخل الاستثنائي عند تقييم استدامة النمو، خاصة مع تراجع أرباح «زين السعودية» في الربع الثالث.
وبيّن أن «إس تي سي» حافظت على متانة أدائها التشغيلي رغم تأثر صافي أرباحها بانخفاض إيرادات التمويل وارتفاع تكاليفه واختلاف أثر البنود غير المتكررة. وأشار إلى أن تراجع سعر سهم الشركة من 42 إلى 39 ريالاً، بانخفاض يقارب 7.1% خلال الفترة المذكورة، يعكس صلابة سعرية نسبية، مع ضرورة مراعاة الفترة الزمنية عند مقارنته بأسهم الشركات القيادية الأخرى.
أكد الخالدي أن تقييم قوة شركات الاتصالات لا يجب أن يقتصر على صافي الأرباح المعلنة، بل يشمل استدامة الأنشطة التشغيلية وجودة الأرباح والقدرة على التوزيعات النقدية، وهي عوامل تعزز المكانة الاستثمارية لـ«إس تي سي» بوصفها من الشركات القيادية في السوق السعودية.
وتوقع استمرار نمو قطاع الاتصالات السعودي وتحسن مستويات ربحيته في الفترة المقبلة، مدفوعاً بالتوسع في الخدمات الرقمية وارتفاع الطلب على حلول الاتصالات وتقنية المعلومات. ورجح أن تحقق «إس تي سي» نتائج إيجابية في الربع الرابع وعلى مستوى عام 2026 تتجاوز نتائج الفترات المماثلة من العام السابق، بدعم من استمرار نمو أعمالها التشغيلية.
من جانبه، قال الرئيس التنفيذي لشركة «جي وورلد» للدراسات، محمد حمدي عمر، إن النتائج المالية لشركات الاتصالات السعودية خلال الأشهر التسعة الأولى من 2026 تكشف عن تباين بين نمو الإيرادات وصافي الأرباح؛ إذ ارتفعت الإيرادات المجمعة بنسبة 3.67% إلى 83.42 مليار ريال، مقابل تراجع الأرباح الصافية بنسبة 2.16% إلى نحو 14.17 مليار ريال، مما يعكس ضغوطاً على هوامش الربحية رغم استمرار نمو الأنشطة التشغيلية.
وأوضح أن هذا التباين يعود إلى ثلاثة عوامل رئيسية، أولها تكاليف التمويل، في ظل الطبيعة الاستثمارية الكثيفة للقطاع، وما تتطلبه عمليات تطوير الشبكات وتوسيع تغطية الجيل الخامس والاستثمار في مراكز البيانات والبنية التحتية الرقمية من إنفاق رأسمالي مرتفع، مشيراً إلى أن بعض هذه الاستثمارات تحتاج فترات طويلة نسبياً لتحقيق العوائد المستهدفة.
أضاف أن العامل الثاني يرتبط بارتفاع المصروفات التشغيلية، نتيجة تحول شركات الاتصالات من تقديم الخدمات التقليدية إلى التوسع في الحلول التقنية والرقمية، بما يشمل الحوسبة السحابية والأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء، وهو ما يفرض تكاليف إضافية للتطوير واستقطاب الكفاءات والتشغيل، رغم أهمية هذه الاستثمارات في تعزيز القدرة التنافسية على المدى الطويل.
أشار عمر إلى أن العامل الثالث يتمثل في تأثير البنود غير المتكررة على النتائج المالية، لافتاً إلى أن «إس تي سي» سجلت نمواً في صافي أرباحها بنسبة 2.6% بعد استبعاد أثر هذه البنود في الفترتين المقارنتين، وهو ما يؤكد أهمية التمييز بين الأداء التشغيلي الأساسي وصافي الأرباح المعلنة عند تقييم النتائج.
وبيّن أن ارتفاع أرباح «موبايلي» و«زين السعودية» يعكس تفاوت قدرة الشركات على تحسين مزيج الإيرادات وإدارة التكاليف والاستفادة من الفرص التشغيلية، مؤكداً أن التحدي الأبرز خلال المرحلة المقبلة لن يقتصر على زيادة الإيرادات، بل سيمتد إلى تحسين الكفاءة التشغيلية وتحويل الاستثمارات إلى تدفقات نقدية وعوائد مستدامة تحافظ على هوامش الربحية.
توقع عمر استمرار نمو قطاع الاتصالات السعودي خلال الربع الأخير من 2026 وعام 2027، مدعوماً بتوسع الاقتصاد الرقمي وتسارع التحول التقني في المملكة، مشيراً إلى أن محركات النمو المستقبلية ستختلف عن السنوات الماضية، مع انتقال المنافسة من خدمات الاتصالات التقليدية وزيادة أعداد المشتركين إلى التوسع في الخدمات التقنية والرقمية ذات القيمة المضافة.
وأوضح أن مراكز البيانات والحوسبة السحابية والبنية التحتية الداعمة لتطبيقات الذكاء الاصطناعي تمثل أبرز فرص النمو أمام شركات الاتصالات، في ظل الطلب المتزايد على قدرات المعالجة والتخزين ونقل البيانات، لافتاً إلى أن امتلاك الشركات شبكات متطورة وقواعد واسعة من العملاء وخبرات تشغيلية يمنحها موقعاً تنافسياً للاستفادة من هذا التحول.
أضاف أن قطاع الأعمال والمؤسسات مرشح ليكون أحد المحركات الرئيسية لنمو الإيرادات، مع تزايد احتياجات الشركات والجهات الحكومية إلى حلول الأمن السيبراني والخدمات السحابية وإنترنت الأشياء وإدارة البنية التحتية الرقمية، مؤكداً أن الشركات الأكثر قدرة على التحول إلى مزود متكامل للحلول التقنية ستكون الأقدر على تنويع مصادر دخلها وتحسين مستويات ربحيتها.
أشار إلى أن المشروعات الكبرى في المملكة، والتوسع في المدن الذكية وقطاعات السياحة والصناعة والخدمات اللوجستية والتجارة الإلكترونية، ستوفر فرصاً إضافية لنمو الطلب على خدمات الاتصالات المتقدمة والبنية التحتية الرقمية خلال السنوات المقبلة.
وفي المقابل، حذّر عمر من تحديات قد تواجه ربحية الشركات، أبرزها ارتفاع الإنفاق الرأسمالي وتكاليف التمويل والمنافسة السعرية في الخدمات التقليدية، إلى جانب طول الفترة اللازمة لتحقيق العوائد الاقتصادية لبعض الاستثمارات المرتبطة بمراكز البيانات والذكاء الاصطناعي.
رجّح استمرار نمو إيرادات شركات الاتصالات خلال الربع الرابع من 2026، مع بقاء تحسن الأرباح مرهوناً بقدرتها على ضبط المصروفات وتكاليف التمويل ورفع العائد على الاستثمارات، متوقعاً أن يشهد عام 2027 منافسة أكثر وضوحاً في سوق الخدمات الرقمية المتقدمة، مع أفضلية للشركات القادرة على تنويع إيراداتها والاستفادة من بنيتها التحتية.
وخلص عمر إلى أن قطاع الاتصالات السعودي يتجه نحو تحول تدريجي في نماذج أعماله، من التركيز على خدمات الاتصال التقليدية إلى المشاركة بصورة أوسع في اقتصاد البيانات، مشدداً على أن القدرة التنافسية المستقبلية لن تتحدد بحجم قاعدة المشتركين وحدها، وإنما بمدى نجاح الشركات في تحويل أصولها وشبكاتها وقدراتها التقنية إلى خدمات رقمية تحقق قيمة اقتصادية أعلى وهوامش ربحية مستدامة.