أي مستقبل للأدب؟ منذ ثلاثة عقود والصيحات لا تفتأ تتعالى بـ»موت» الأدب أو نهايته، لا سيما في حقبة البنيوية وبعدها ثم النقد الثقافي. كان الأمر يعكس بالفعل أزمة حقيقية تحدق بوضع الأدب إنتاجاً وتلقّياً، وهو ما عبر عنه تزفيتان تودوروف بجلاء في كتابه «الأدب في خطر» (2007)La Littérature en péril ، عندما دعا إلى مراجعة نقدية عميقة لواقع تدريس الأدب والمقاربات النقدية التي سادت في النصف الثاني من القرن العشرين، بل إنه انتقد التطرف في تطبيق المناهج الشكلانية والبنيوية وكان هو نفسه واحداً من المشتغلين فيها. مثل هذه «المراجعة» صارت ديدناً أجمع عليه دارسو الأدب ومؤرخوه في المجالين الأوروبي والأمريكي، على نحوٍ يكشف أن الأدب لم يكن يوماً أسوأ حالاً مما هو عليه اليوم، فالمؤشرات كلها تُجمع على الوهن الذي أصابه، ولكن بدلاً من الاكتفاء بوصف هذا الداء المعاصر، باتت ثمة ضرورة ملحة للتفكير في الأدب خارج ما هو متعارف عليه؛ وذلك بالنظر إلى استجداد الواقع المعاصر تحت وطأة التكنولوجيا الرقمية.
إلى جانب أنطوان كامبانيون ودومينيك مانغينو وجان ماري شيفر وغيرهم، لا يمكن أن نغفل عن ذكر ويليام ماركس، أستاذ الأدب المقارن في الكوليج دو فرانس، الذي لا يني يدافع عن الأدب ويدفع «كراهيّته»، وقد اشتهر أكثر بكتابه «وداعاً للأدب» (1995). وفيه يقترح تتبع الأسباب العميقة لتراجع النفوذ الأدبي، الذي لم يكن وليد ساعته؛ فقد شهدت أوروبا تحولاً جذرياً في الأدب، إذ انقلب شكله، وفكرته، ووظيفته، ورسالته وكل ما يتعلق به رأسا على عقب. ولفهم آلية تراجع قيمة الأدب، أو ما يعنيه بـ»الوداع»، يطالب ماركوس بامتلاك أدوات قادرة على النفاذ إلى قلب الأزمة الوجودية الدائمة التي يتخبط فيها الأدب. بيد أن هذه الأزمة أخذت تستفحل، حتى أفقنا في وقتنا الحالي على خطر حقيقي بالفعل، يمثله الذكاء الاصطناعي. كثيرون استشعروا هذا الخطر، لا سيما بعد جدل كبير أثير حول رواية ثيليسون أوريليان «C’était ça ou mourir» ، الذي اتُّهم بكتابتها بمساعدة الذكاء الاصطناعي، ليبرز سؤال جديد: إذا لم يكن الذكاء الاصطناعي قد انحرف بالأدب عن تقاليده، فهل هو مجرد تطور طبيعي يشهده؟ بخصوص الجدل الذي أُثير حول الرواية، أكد ويليام ماركس، في حواره مع (راديو فرانس)، أنه حتى لو افترضنا أن العمل كُتب بالذكاء الاصطناعي فعلاً، فمن المرجح أن المؤلِّف «لم يطلب من الشات جي بي أن يكتب له كتابا من ثلاثمئة صفحة بشكل مباشر، حسب علمي، لا يستطيع الشات جي بي حتى الآن أن يقوم بذلك. أعتقد أنه استخدم ما يُسمّى سلسلةً من التوجيهات، وأخذ يُنقّح الكتاب تدريجيًا، وهو يتقدم فيه فصلا بعد فصل. ولذلك، ما زال في الوقت الراهن يوجد أحدٌ ما يتولى التصحيح، وتوجد في المحصلة سلطةٌ تتولى التوقيع». فالذكاء الاصطناعي ـ في نظره- يمتلك أدوات و«عدة لغوية» تساعد على إعادة كتابة النصوص وتصحيحها على وجه السرعة: «إنه يمتلك تصورا لما يمكن أن يكون عليه القارئ، وهذا هو الأدب: تخيَّلْ كيف تكون ردة فعل القارئ إزاء نصٍّ ما».
نحو اختفاء المؤلِّف إذا كان الأدب قد انتشر على نطاق جماهيري واسع ابتداءً من القرن التاسع عشر للميلاد، إلا أنه اليوم يشهد تراجعاً لا يمكن إنكاره: «لعلنا نكون بصدد نهاية نوع من الحقبة الديمقراطية للأدب، وعندئذ سنعود إلى أدب موجَّه إلى فئة قليلة من الناس، تصنعه فئة قليلة؛ وبالتالي قد نعود إلى وضع أقدم بكثير». ثمة استطلاعات مختلفة تظهر، بالفعل، أن عدد القرّاء يتقلص، لا سيما في أوساط الشباب: «ليس لدينا عدد كافٍ من القرّاء بالنسبة إلى كل الكتب التي تصدر، وثمة الكثير من الكتب يجري إهمالها؛ في المقابل، فإن عدد القرّاء الآليين يتقوى باستمرار، ثمة ما يدعو إلى الخشية من أننا، في غضون سنوات قليلة، سنكون أمام أدب تكتبه الآلات للآلات، وأخشى أن يؤدي هذا الاكتفاء الذاتي؛ أي القائم على تغذية الآلة نفسها بنفسها، إلى مزيد من الانحدار في مستوى الأدب. سيظل هناك دائما أدب ضيق للغاية، يكتبه البشر ويقرؤه البشر، مع قدر كبير من الجهد والبطء، لكنه لن يخصّ إلا عددا قليلا من الناس. وإلى جانبه سيكون ثمّة أدب جماهيري مُولَّد بالذكاء الاصطناعي، ستظل هناك دائمًا تلك الجماعة الصغيرة من الكتّاب والقرّاء الذين يقرؤون لبعضهم بعضا، وسنكون بصدد براديغم أدبي ضيق». إنّ ظهور أدب ذي منشأ اصطناعي ثم انتشاره على نطاق واسع يطرحان مسألة المكانة التي قد تُمنح للمؤلِّف. لقد كانت هذه السلطة، من الناحية التاريخية، هي التي تُحدّد صورة المؤلِّف ووضعه الاعتباري، أكثر مما حدّدتها فكرة الأصالة والابتكار نفسها: «إن مؤلِّف الكتاب باعتباره الشخص الذي كتبه، وباعتبار الأصالة يعبر عنها، هي فكرة حديثة نسبيا؛ إذ لم يتبلور مفهوم المؤلِّف المرتبط بمفهوم الأصالة إلا ابتداءً من القرن الثامن عشر. وحتى في ذلك الوقت، شهدنا عددا هائلا من حالة الكتب التي كُتبت بصورة مشتركة بين أكثر من شخص». يستشهد في هذا السياق بحالات من الأدب الفرنسي، مثل حالة بوالو- نارسجا، وحالة الأخوين جيروم وجان تارو، وحالة ألكسندر دوما وأوغست ماكي الذي اشتهر بنزاع قضائي طالب فيه بالاعتراف به مؤلِّفا مشاركا. يقول: «المؤلِّف هو ذلك الذي يوقّع والذي يدعم سلطته الاعتبارية؛ فالأمر لا يرتبط بالضرورة بفرد واحد»، غير أن الذكاء الاصطناعي ـ حسبه- يؤدي إلى اختفاء «البُعد الشاقّ في الكتابة، وبُعد تجاوز المرء لذاته». ومن هنا، «فالأدب ينبغي أن يكون مجالا يتجاوز فيه المؤلِّف ذاته؛ إذ يتطلب الأمر بذل جهد من لدن الذات لبلوغ حالة سامية هي نوع من الانتشاء، فما يتطلبه الأدب هو إيجاد أقصى درجات الفاعلية مقرونةً ببذل أكبر قدر من الصدق، وأكبر قدر من الجهد في سبيل بلوغ الحقيقة. وهذا ما يجب عدم التخلي عنه أبدا، سواء بآلة أو من دونها».
مطلبا الأدب في ضوء الأسئلة الشاقّة التي بات الواقع المعاصر يفرضها على مؤسسة الأدب، لا غنى بالنسبة للمهتمّين، مؤرخين ودارسين ومقارنين، عن الانخراط في اقتراح استراتيجيات تنازل البراديغم الجديد، بقدر ما هي تبتدع رؤية بعيدة المدى لماهية الأدب، وللمتطلبات التي يواجهها. وفي هذا السياق، يميّز وليام ماركس بين مطلبين متعارضين يجد الأدب نفسه واقعا بينهما؛ يتمثل المطلب الأول في «التعبيرية والصدق؛ ويمكن أن نسمّيه المطلب الغنائي، وفيه يُطلب من الكاتب، بناءً على ذلك، أن يعبّر عن نفسه باسمه الخاص»؛ يتعلق الأمر بـ»إسماع صوت شخصي، وتقديم شهادة، وعرض تجربة حميمية وشخصية على القارئ. وعندئذ يأخذ القارئ وهمُ النفاذ إلى روحٍ أخرى تعبّر عن نفسها، روحٍ يدخل معها، بفضل معجزة الأدب، في حوار فريد من نوعه». ومن جهة أخرى، يخضع الأدب لـ«مطلب الجمال والجودة الشكلية، وهو ما يفرض على العمل أن يتمتع بالوحدة والاتساق، وأن يستقلّ بذاته، وأن يستخدم الأدوات الخاصة باللغة حتى يكون قادرا على التأثير في القارئ». وعليه، فـ«الالتزام بهذا المبدأ إلى أقصى حدّ قد يفضي، في نهاية المطاف، إلى عمل لا شخصي impersonnelle تماما، بحيث لا تعود هناك حاجة إلى مؤلّف وراء العمل». ومن هذا المنظور، يرى «أنّ الذكاء الاصطناعي قد تَوقّعه الأدبُ عبر هذا المطلب الشكلي». انطلاقا من هذا التمييز بين مقتضى الصدق والمطلب الشكلي، يذهب إلى أنّ ما يجري تقويضه في حالة سرد ثيليسون أوريليان هو «معجزة أحدهم، بوصفه ضحية، ينطلق من شرط بالغ الصعوبة، ويُقيّض له العثور على اللغة، والأسلوب الذي يسمح له بالتعبير، حين ينهار الأسلوب، يختفي الصدق نفسه؛ لأنّ هذا الصدق لم يكن يستند إلا إلى ذلك الصوت الشخصي الذي كنّا نؤمن بأنّنا نسمعه داخل هذا العمل. وهذه الفضيحة لا تقع في أيّ لحظة عابرة من لحظات التاريخ الأدبي».