المظاهر الزائفة تُغلق الأبواب: كيف حوّلت مبالغات الضيافة بيوتنا إلى جزر معزولة؟ تحولت مجالسنا الاجتماعية في الآونة الأخيرة من واحات للانسجام والألفة إلى عبء مالي وضغط نفسي يهرب منه الجميع، حيث استبدل الكثيرون دفء المشاعر ببرود المظاهر الفاخرة. إن المبالغة في تجهيز مجالس الضيافة وربط استقبال الأحباب بالبروتوكولات المكلفة والتكلف الزائد، بنى جدراناً من الحرج بين الأقارب والأصدقاء. وخوفاً من التقصير أو العجز عن مجاراة هذه المظاهر، فضّل البعض العزلة والتباعد، وغابت العفوية التي كانت تجمعنا، مما يثبت صحة مقولة : "إذا كثرت شروط الضيافة، قلّ الزوار". لقد تناسى المجتمع أن الكرم الحقيقي ينبع من القلوب لا من الجيوب، وأن المبالغة في الشكليات تقطع أواصر المحبة وتورث الجفاء بين الناس. وفي هذا السياق، يلخص المثل الشعبي الشهير القيمة الحقيقية للقاء في عبارة بليغة: "لاقيني ولا تغديني"، مؤكداً أن بشاشة الوجه وحسن الاستقبال مقدمان على أفخم الموائد. فالقلوب لا تشبع إلا بالود والترحاب، بينما تتحول التكاليف الباهظة إلى قيود ثقيلة تحرمنا من متعة التواصل البسيط والعفوي الذي نشأت عليه الأجيال السابقة. وفي هذا الإطار، يُلاحظ أن النساء خصوصاً يعمدن إلى مثل هذه التصرفات؛ حيث تحولت اللقاءات النسائية والزيارات العائلية في كثير من الأحيان إلى ساحات للتنافس في تقديم الديكورات الفاخرة ، والحلويات الثمينة، وأدوات الضيافة الفارهة. هذا التسابق المحموم نحو الكماليات والاستعراض جعل الزيارات عبئاً ثقيلاً يتطلب تجهيزاً شاقاً وميزانيات مرهقة، الأمر الذي أدى مباشرة إلى تراجع التواصل بين الأسر، واعتذار الكثيرات عن الاستضافة أو المبادرة باللقاء هرباً من ضغوط المقارنات والحرج الاجتماعي. إن استمرار هذا النهج الاستهلاكي في المناسبات والزيارات يهدد بتمزيق النسيج الاجتماعي وإدخال المجتمع في حالة من الجفاف العاطفي والاجتماعي. عندما تصبح الزيارة مشروعاً يحتاج إلى ميزانية وتخطيط معقد، فإن النفوس تستثقل اللقاءات وتتقلص أعدادها تدريجياً حتى تنعدم. إننا بحاجة إلى وقفة جادة لمراجعة هذه السلوكيات قبل أن تصبح بيوتنا جزرًا معزولة، مدركين أن "البساطة تُديم المحبة، والتكلف يبعث على الجفاء"، وأن قيمة المرء في مجلسه بأدبه وحسن حديثه لا بما تضمه موائده. ولإعادة الدفء إلى علاقاتنا وتوطيد حبال التواصل، أصبح من الضروري إحياء ثقافة "الجود من الموجود" ونبذ البهرجة التي أبعدتنا عن أحبابنا. دعونا نجعل مجالسنا سهلة ميسرة، إننا نستقبل ضيوفنا بروح تبسط قيم الضيافة، متمسكين بشعار ألا يتحول التكلف إلى حاجز يقطع حبال الوصال.» فمن أحبنا زارنا لينظر في وجوهنا ويطمئن على أحوالنا. كلما قلّت كلفة الضيافة، دامت المودة وتيسرت اللقاءات، لتبقى الأبواب مفتوحة بالحب، والقلوب متصلة بالبساطة والود بعيداً عن كاهل المظاهر الزائفة.
كَيْفَ قَتَلَتْ مُبَالَغَاتُ الضِّيَافَةِ دِفْءَ الْعَلَاقَاتِ؟
يناقش المقال كيف حوّلت مبالغات الضيافة المجالس من فضاءات للألفة إلى عبء مالي ونفسي دفع كثيرين للعزلة وتقليل الزيارات. يرى الكاتب أن ربط الاستقبال بالشكليات والاستعراض، خصوصاً في اللقاءات النسائية، صنع حواجز من الحرج و…
الأخبار العاجلة تصلك أولاً على تلغرام
انضم لقناتنا لتتابع أهم الأخبار فور وقوعها، بدون تعقيد.