الرباط- «القدس العربي»: تحتضن قاعة العرض عبلة عبابو في الرباط، من 15 أكتوبر/تشرين الأول إلى 28 نوفمبر/تشرين الثاني 2026، معرض «الرقيم» للفنان البصري المغربي المعاصر عبد الصمد بويسرامن، في تجربة تشكيلية تستكشف تقاطعات الكتابة والذاكرة والمادة، وتفتح أفقا للتأمل في علاقة الإنسان بماضيه وبأبعاده الداخلية، في زمن تتسارع فيه الرقمنة وتتصاعد فيه هيمنة الصورة المتداولة. تستمد التجربة جذورها من ذاكرة الفنان المرتبطة بمخطوطات والده، الفقيه في مدينة مراكش. فقد شكّلت تلك الكتب المكتوبة بخط اليد، بما تتضمنه من علامات وتكوينات وآثار مادية، مدخلا مبكرا إلى اكتشاف الكتابة خارج وظيفتها اللغوية المباشرة. ومن هذه الذاكرة ينطلق بويسرامن لاستكشاف العلامة، باعتبارها أثرا لحركة اليد، وسطحا يحتفظ بترسبات الزمن، وعنصرا تشكيليا قابلا للتحول من المقروء إلى المرئي.
ويحمل عنوان «الرقيم» دلالات تتجاوز التدوين، مستدعيا النقش والرقم والكتابة والسطح الحافظ للأثر، كما يفتح مجالا للتفكير في الصلة بين المخطوط والوسائط الرقمية المعاصرة. وبين نظامين للتسجيل، أحدهما يحتفظ بأثر الكتابة في المادة، والآخر يحولها إلى بيانات ورموز، يطرح المعرض أسئلة حول الذاكرة وشروط حفظها، وحول ما يمكن أن يتراجع من التجربة الإنسانية، حين تنفصل العلامة عن مادتها وتتحول إلى معلومة سريعة التداول.
ويمتد هذا البحث إلى سينوغرافيا المعرض، حيث ينتظم فضاء أسود في قلب قاعة العرض، تحيط به حركة تدعو الزائر إلى الطواف واكتشاف الأعمال من زوايا مختلفة. وقد تعزز هذا البعد بإنشاء فضاء دائري تتجاور فيه الحجارة المرتبة في تكوين إنشائي، وأصوات التراتيل الدينية ذات النفس الصوفي، ورائحة المسك والبخور. وبهذا الاجتماع بين البصري والسمعي والشمي، تتجاوز الزيارة حدود المشاهدة المعتادة، لتصبح تجربة حسية تستدعي الإنصات والتأمل، وتمنح حركة الجسد دورا في بناء المعنى. ويستحضر هذا التنظيم، على مستوى الإيحاء، بعض أبعاد الطواف في الذاكرة الروحية، من دون تقديم تمثيل مباشر لشعيرة دينية، ولكن تحويل البعد الروحاني لمطية جمالية لإدانة الاستحواذ الرقمي والصور على الإنسان المعاصر. فالحجارة تستعيد حضور المادة وثقلها، فيما يفتح الصوت والرائحة مجالا لاستحضار الذاكرة الوجدانية، ويمنح المسار الدائري التجربة إيقاعا خاصا. وتتجه هذه العناصر مجتمعة إلى مساءلة الصورة الإنسانية الداخلية، وما قد تحجبه أنماط الحياة المعاصرة من عمق روحي وصلات هادئة بالذات والعالم.
تظهر في أعمال بويسرامن، الكتابة متقطعة أو متراكبة أو مطموسة جزئيا، فتتحول إلى بصمة وكثافة وإيقاع بصري. ولا تقدم الذاكرة باعتبارها صورة مكتملة للماضي، وإنما بوصفها آثارا تتغير بفعل المحو والتحول وإعادة التشكيل. ومن هنا تبرز الأركيولوجيا باعتبارها أحد المفاتيح الأساسية للمعرض، فالحاضر يحمل طبقات تاريخية ورمزية لا تُدرك من مظاهره السطحية وحدها، والكتابة تتيح التنقيب في هذه الطبقات واستعادة ما بقي من أثرها. يعيد «الرقيم» الاعتبار إلى الكتابة بوصفها بعدا أركيولوجيا للحاضر، ووسيلة لفهم الرواسب التي تشكل الوعي الإنساني. وفي مقابل تسارع الصور الرقمية وتكاثرها، يقترح المعرض إبطاء النظر واستعادة الصلة بالمادة والذاكرة والتجربة الحسية. إنها دعوة إلى التفكير في ما تحفظه العلامات من تاريخ، وفي ما يستطيع الفن استعادته من أبعاد الإنسان التي يصعب اختزالها في صورة عابرة.