القاهرة ـ «القدس العربي»: رغم اللغة الإنكليزية التي يكتب بها الكاتب الليبي هشام مطر، إلا أنه يُعد من أبرز الأصوات الروائية العربية ـ فكراً وروحاً ـ في الرواية العالمية. نالت رواياته العديد من الجوائز العالمية، أهمها جائزة بوليتزر عن كتابه (العودة)، كما فازت روايته الأخيرة (أصدقائي) بجائزة أورويل. صدرت الرواية في طبعتها الإنكليزية عام 2024، وطبعتها العربية هذا العام 2026 بترجمة زوينة آل تويه، عن دار الشروق في القاهرة. وبخصوص هذه الرواية أقيمت ندوة في مكتبة القاهرة الكبرى في الزمالك، قدّمها الكاتب خالد الخميسي وأدارها الطبيب والسياسي محمد أبو الغار وناقشتها الكاتبة مي التلمساني مع المؤلف، وهذا جانب منها..
صرح روائي تحدثت التلمساني عن تجربتها في قراءة هشام مطر، خاصة روايته الأولى «في بلد الرجال» 2006. وكيف أنها كشفت لها الكثير عن المجتمع الليبي وشخصياته. ثم قرأت روايته الأخيرة «أصدقائي» التي شبهتها بأنها كالعمل الصرحي الكبير، أو الكاتدرائية، فكتاباته تتقاطع كثيراً مع الفن التشكيلي، خاصة في عصوره الوسطى. فرغم بساطة القصة أو الحكاية، إلا أنها تحمل الكثير من الأفكار الفلسفية العميقة التي تظل دائماً تحت سطح الحكاية، فهي عمل جمالي كبير، ومتفوق على الأعمال السابقة حتى للكاتب نفسه.
عبقرية الأدب يبدأ هشام مطر بالأدب، وما يهتم به، فما يحدث في الأدب لا يحدث في شيء آخر. فكل نوع من الفن لديه قدراته على التعبير، إلا أن ما يجمعهم هو المنبع، منبع الأفكار والمشاعر، كل حسب طريقته وأدواته، بالاعتماد على الفنان الذي يقوم بهذا العمل. وفن الأدب له إمكانات معينة وإضافات أخرى، «فعندما قرأت رواية شعرت بأشياء لم أختبرها من قبل، سواء من خلال فيلم أو موسيقى أو لوحة وحتى مبنى من المباني». وأضاف مطر «أن واحدة من هموم فن النثر هي الاهتمام بالوقت، كيف يمكن جمع الأزمنة في عبارة واحدة، علاقة الحاضر بالماضي والمستقبل، فكيف تكتب بطريقة من خلال الزمن واختلافاته في اللحظة نفسها، ذلك حسب ترجمة الفكرة من خلال الكلمات.. في (أصدقائي) كيف يمكن أن تحكي تاريخ صداقة أكثر من 30 سنة في لحظة معينة، في مجرد السير من محطة القطار إلى المنزل، ربما ساعة من الزمن أو أكثر، وفي هذا الوقت يمكن حكي تاريخ طويل وأماكن مختلفة وشخصيات وعلاقات متعددة. وعن تجربة شخصية عند العودة من زيارة صديق قديم، كدت أبكي وقد شعرت بتباعد المسافات، وكيف تحولت الشخصيات وتغيّر مصيرها في الحياة. ذلك الجيل الذي انفجر بالشتات، هذه هي اللحظة التي بدأتُ فيها التفكير في الرواية، وقد استمرت معي سنوات عديدة قبل البدء في كتابتها. تلك اللحظة كانت في 2006، وفي 2011 جاءت لي جُملة ظلت معي وحاولت نسيانها لمدة 8 سنوات، تلك الجُملة التي أصبحت مُفتتح الرواية».
جُملة طويلة واحدة حمل مطر معه تسجيلاً لهذا المفتتح بصوت صديقه (إبراهيم الشريف) وهو الذي راجع وحرر الترجمة العربية للرواية، فيقول.. «يستحيل بالطبع أن نتأكد مما تكنه الصدور، وحتى مما تكنه صدورونا وصدور مَن نعرفهم، وربما أساساً صدور مَن نعرفهم حق المعرفة، لكنني وأنا واقف هنا في طابق محطة كنغر كروس العلوي، حيث يمكنني مراقبة صديقي القديم حسام زُوّة وهو يشق طريقه في بهو المحطة، أشعر بأني أرى ما في نفسه، وأفهمه فهماً دقيقاً أكثر من ذي قبل، كانت صداقتنا طيلة عقدين عرف خلالها أحدنا الآخر، كانت بحثاً على الدوام والآن، على نحو لا يخلو من مفارقة، مباشرة بعد وداعنا، بدأت صورته تنجلي لي أخيراً. وربما هذه هي طبيعة الأمور، فحين تنتهي صداقة بلا سبب أو تفتر أو تذوب فحسب، ولا يعود لها وجود، يبدو التغيير الذي نخبُرُه في تلك اللحظة حتمياً، قدراً كان يدنو طوال الوقت، مثل شخص يسير نحونا من بعيد ولا نتعرّف إليه إلا بعد فوات الآوان على الالتفات عنه».
الربيع العربي وعن طيلة المدة التي أخذتها الرواية حتى تتحول من فكرة وجُملة، يقول مطر، إنه عرف من البداية أن شخصيات الرواية كان لها علاقة بالربيع العربي بشكل أو بآخر، وكان لا بد من الوقت حتى يمكن استحضار الخيال والكتابة عن شخصيات كان لها دور أو علاقة بهذا الحدث الكبير. فالعلاقة بين الحقيقة والتاريخ والخيال هي علاقة معقدة من الفكر والحِس، وتفجر الكثير من الأسئلة والشعور بأشياء كثيرة، أهمها أنها لم تحدث لك شخصياً، فشخصية الصحافي والمذيع الليبي في هيئة الإذاعة البريطانية محمد مصطفى رمضان وفي يوم اغتياله، ماذا كان يفعل أو يفكر قبل ما حدث؟!
حالة الترجمة المزمنة وتساءلت التلمساني عن الاختلافات بين الرواية في لغتها الأصلية وعند ترجمتها، فيجيب مطر بشكل أعمق من السؤال الكليشيه المدرسي المُكرر، فيقول.. «كلنا في حالة ترجمة مستمرة، من خلال الفكر أو الوعي وصولاً إلى اللغة. وكيف يمكن أن تترجم ما تفكر به بشكل مغاير، فتكون النتيجة أن يتم فهمك بالخطأ. ومن هنا تبدو المأساة عندما يتحدث شخص في الحياة حديثاً عادياً قائلاً مفردات من قبيل (بالضبط)، و(بالتأكيد) هذا ما أقصده. وهي علاقة اللغة بالأساس، وهو شكل من أشكال القمع، هذا اليقين ينفي أي مساحة للتفسير في ما يُقال. فاللغة دائماً ستفشل في ما نود أن تعبّر عنه أفكارنا، وهنا يأتي دور الشخص الآخر الذي معك ويُساعدك على فهمك، يساعدك على هذه الترجمة، ومن هنا يأتي دور القارئ في حالة النص الأدبي… أما عند ترجمة الرواية، فالمترجم هنا فنان بشكل آخر، فكل كلمة في الرواية ليست لي، بل للمترجمة، وأحياناً يكون العمل المترجم أهم من الأصل، فالترجمة عمل نبيل جداً».