تحولت عدة مناطق في محافظة جنوب سيناء بمصر، أمس الثلاثاء 27 أكتوبر/تشرين الأول، إلى شبكة من المجاري المائية العنيفة، بعدما رصدت وزارة الموارد المائية والري جريان السيول في أودية تمتد من دهب إلى طابا، مع تدفقات باتجاه وادي وتير وخليج العقبة.
وبينما بدا المشهد مخيفا، مع اندفاع المياه من الجبال في صورة بدت وكأنها جدار متحرك، رصدت الوزارة جانبا آخر من المشهد، إذ أشارت إلى أن منشآت الحماية وحصاد المياه احتجزت نحو 13.4 مليون متر مكعب من مياه السيول، تمهيدا للاستفادة منها.
لكن كيف تشكل هذا الجدار المائي؟ وكيف تجمعت قطرات المطر، لتتحول إلى تدفقات جارفة؟
تبدأ القصة، كما يسرد تفاصيلها، الدكتور مصطفى عصام، المدرس بقسم علوم الفلك والفضاء والأرصاد الجوية بكلية العلوم بجامعة القاهرة، من مشهد الهطول الغزير للأمطار، والذي حدث في هذا التوقيت من العام بفعل تضافر عدة عوامل مجتمعة.
وكان المحرك الأول لهذا المشهد، منخفض جوي تشكل في الطبقات العليا للغلاف الجوي فوق مياه البحر المتوسط، واستمر هذا المنخفض في مكانه، بسبب وجود "مرتفع جوي حابس "، متمركز فوق منطقة العراق وإيران، حيث عمل هذا المرتفع كـ "سد جوي منيع " أجبر منخفض البحر المتوسط على التوقف والبقاء في مكانه لفترات ممتدة، مانعا إياه من التحرك بالسرعة المعتادة شرقا.
ونتيجة للضغط الناتج عن موجات "روسبي " (تموجات واسعة في حركة الهواء بالغلاف الجوي) والمرتفع المذكور، يوضح مصطفى، أن المنخفض لم يقتصر على نطاق المتوسط، بل امتد وتوغل نحو الجنوب، مخترقا السواحل الشمالية لشرق أفريقيا (مصر وليبيا)، مما أدى إلى تغيير في توزيع الكتل الهوائية.
ويضيف أن "هذا التوزيع المعقد للضغط، أدى بدوره إلى إجبار التيار النفاث المداري على النزول نحو مواقع جنوبية أكثر بكثير من طبيعته (يستقر عادة حول خط عرض 30 أو شماله وجنوبه بقليل) ".
ساعد هذا الموقع الجنوبي المستجد للتيار النفاث، بالتزامن مع طبيعة الرياح المتقاطعة من الشمال الغربي والجنوب الغربي على هندسة أنسب لعمليات الرفع الديناميكي للهواء، مما ساهم في رفع كميات هائلة من الهواء الرطب إلى طبقات الجو العليا.
وعلى عكس الحالات التقليدية، أشارت خرائط الرطوبة إلى أن الحجم الأكبر من الرطوبة والرياح الداعمة تدفقت هذه المرة من مياه البحر الأحمر، وهذه الرطوبة المشبعة القادمة من البحر الأحمر، فور وصولها إلى التضاريس الجبلية الوعرة في سيناء، وجدت بيئة مثالية لرفعها قسريا بفعل الجبال (الرفع التضاريسي)، وهو ما تزاوج مع الوجود المثالي للتيار النفاث في التوقيت والمكان المناسبين.
وعليه، فقد أدى هذا التضافر المحكم بين "المرتفع الحابس " الذي أطال عمر الحالة، والنزول الجنوبي للتيار النفاث، والرطوبة القادمة من البحر الأحمر، إلى تكون سحب رعدية كثيفة وهطول غزير للأمطار.
وينتقل مصطفى من الهطول الغزير للأمطار إلى مشهد السيول، والذي لعبت فيه البيئة الجبلية الدور الأكبر.
ويقول إنه " عندما تهطل الأمطار على القمم والمنحدرات الجبلية ومناطق حوض التصريف المحيطة بها، تتحرك المياه التي لا تتسرب إلى التربة نحو المناطق المنخفضة بفعل الجاذبية، فتنساب عبر المسارات الصغيرة والشعاب، لتلتقي معا وتغذي مجاري أكبر، قبل أن تصب في واد رئيسي ".
وعلى مدار ثلاثة أيام، بدأت هذه المراحل تتشكل في مناطق من سيناء، إذ هطلت الأمطار على الجبال والمرتفعات، وجرت المياه عبر الشعاب ومجاري السيول، لتتجمع في مسارات أكبر، وهذا ما أوضحه الدكتور محمود شاهين، مدير عام التنبؤات والإنذار المبكر بالهيئة العامة للأرصاد الجوية في تصريحات صحفية.
ورغم أن التربة في المناطق الصحراوية مثل سيناء جافة، بما قد يعني أنها متلهفة لامتصاص مياه الأمطار، إلا أن الأمر ليس بهذه البساطة، إذ إن القدرة على الامتصاص تختلف من مكان إلى آخر، كما يقول مصطفى.
ويوضح أن بعض الأسطح الصخرية والتربة المتماسكة لا تسمح بنفاذ قدر كبير من المياه خلال فترة قصيرة، بينما يمكن للتربة المفككة أو الشقوق الصخرية امتصاص كميات متفاوتة، وعندما تتجاوز شدة المطر قدرة السطح على امتصاص الماء، يبدأ الفائض في الجريان فوق الأرض.
ويضيف أن المشكلة تزداد في المنحدرات التي يقل فيها الغطاء النباتي، فالنباتات تعترض جزءا من مياه المطر، وتبطئ حركتها، وعندما يكون الغطاء النباتي محدودا، قد يصل جزء أكبر من المياه إلى مجاري الأودية بسرعة، وهذه إحدى الآليات الرئيسية لتشكل السيول الخاطفة في البيئات الصحراوية مثل سيناء.
وبعد وصول المياه إلى المجرى الرئيسي للوادي، لا يكف عن استقبال المزيد، وتلعب تضاريس سيناء دورا حاسما في ذلك، فالمنحدرات الجبلية والأودية التي تجمع المياه من مساحات واسعة قد تجعل التدفق سريعا ومركزا.
ويقول مصطفى إنه " عندما تتجمع كميات كبيرة من المياه داخل مجرى محدود العرض، قد يرتفع منسوبها بسرعة، وتزداد سرعة الجريان وقوته، وإذا كان المجرى ضيقا أو شديد الانحدار، فقد تبدو المياه وكأنها جدار متحرك يندفع نحو المناطق المنخفضة ".
ويزيد المشهد عنفا، عندما لا يحمل السيل المندفع من المنحدرات الماء وحده، بل قد يحمل معه الرمال والحصى والصخور والأغصان ومخلفات أخرى، حيث تزيد هذه المواد قوة الاصطدام، كما يمكن أن تسد بعض المنشآت، فتغير مسار المياه أو ترفع منسوبها محليا.
وأعادت السيول الأخيرة تسليط الضوء على مخاطر الأمطار المفاجئة في البيئات الصحراوية، حيث يمكن لعاصفة مطرية أن تطلق تدفقات مائية سريعة عبر الأودية، حتى في مناطق لا تشهد هطولا منتظما للأمطار.
وقبل سنوات من هذا الحدث، استخدم باحثون مصريون تقنيات نظم المعلومات الجغرافية (جي آي إس) لإعداد خريطة للمناطق المحتمل تعرضها للسيول في مصر، مع تحليل تفصيلي لأحواض التصريف في سيناء.
وركزت الدراسة على دمج العوامل التي تسهم في تكون السيول داخل الأحواض، بهدف تحديد المناطق الأكثر قابلية لاستقبال التدفقات المائية المفاجئة.
وأظهرت النتائج أن نحو 5% من الأحواض التي شملها التحليل تقع ضمن فئة القابلية المرتفعة جدا للسيول، فيما صنفت نحو 25% ضمن فئة القابلية المرتفعة، كما وقعت نحو 5% ضمن فئة القابلية المتوسطة إلى المرتفعة، ونحو 20% ضمن فئة القابلية المتوسطة.
وتعني هذه النتائج أن نحو 30% من الأحواض تقع ضمن فئتي القابلية المرتفعة والمرتفعة جدا، وفق تصنيف الدراسة.
وأوصى الباحثون بإجراء دراسات تفصيلية لهذه الأحواض ووضع خطط عمل لحماية السكان والممتلكات من مخاطر السيول.