قد يلجأ الإنسان إلى الكذب في مواقف يومية بسيطة، ليس بالضرورة بقصد الخداع أو الإيذاء، بل أحياناً حفاظاً على مشاعر الآخرين وعلاقاته بهم. فقد تتظاهر مثلاً بإعجابك بهدية تلقيتها، رغم أنها لا تعجبك، في الحقيقة. ويُعرَف هذا النوع من الكذب باسم «الأكاذيب البيضاء»، وهي أكاذيب صغيرة لا تهدف إلى إلحاق الأذى، وفقاً لموقع «إيفري داي هيلث».
لكن الأكاذيب ليست جميعها على الدرجة نفسها من الخطورة؛ فالمراوغة بشأن قَصة شعر غير موفَّقة تختلف تماماً عن إخفاء علاقة عاطفية. ومع ذلك، قد يكون من الصعب الحفاظ على توازنك النفسي عندما تشكّ في أن شخصاً عزيزاً عليك لا يقول الحقيقة، مهما بدت الكذبة صغيرة.
توضح لورا سغرو، الاختصاصية النفسية المقيمة بلوس أنجليس، أن الكذب سلوك اجتماعي معقد تُحركه دوافع متعددة، وتتفاوت أشكاله بين ما قد يكون غير ضارّ وما قد يخلّف آثاراً مدمرة.
وتقول: «على الرغم من أن النية لا تلغي أثر الفعل، فمن المفيد النظر إلى الدافع وراء الكذبة، إلى جانب ما تعرفه عن الشخص والسياق المحيط بالموقف».
وقد صنّف الباحثون الأكاذيب إلى فئتين رئيسيتين: أكاذيب تهدف إلى حماية العلاقات، وأخرى تهدف إلى حماية الذات. وتُعرف الفئة الأولى باسم «الأكاذيب الموجّهة نحو الآخرين»؛ لأنها تسعى للحفاظ على العلاقات، بينما تُسمّى الثانية «الأكاذيب الموجّهة نحو الذات»، وغالباً ما تكون أكثر ضرراً.
وتُعد الأكاذيب الموجّهة نحو الآخرين، أو ما يُعرف بـ«الأكاذيب البيضاء»، شائعة في العلاقات الاجتماعية، مثل أن تخبر صديقاً بأنك أحببت الهدية التي قدمها لك، رغم أن الأمر ليس كذلك.
وتشير سغرو إلى أن «الهدف من هذا النوع من الكذب هو حماية مشاعر الآخرين أو تحقيق منفعة لهم بطريقة ما، وغالباً ما تنبع هذه الأكاذيب من نيات حسنة».
في المقابل، تهدف الأكاذيب الموجّهة نحو الذات إلى توجيه الموقف بما يخدم مصلحة الشخص الذي يكذب، كأنْ يختلق قصة لإخفاء تصرُّف خاطئ ارتكبه.
وتؤكد سغرو أن «الدافع وراء هذا النوع من الكذب يفتقر إلى الإيثار». وحتى عندما لا تُكتشف هذه الأكاذيب، فإنها قد تُضعف الروابط الاجتماعية، ويعود ذلك جزئياً إلى ميل الأشخاص الذين يكذبون إلى افتراض أن الآخرين يكذبون أيضاً.
وهناك نوع آخر يُعرف بـ«الكذب القهري» أو «الكذب المَرضي»، ويُقصد به أن يكذب الشخص خمس مرات أو أكثر يومياً.
وغالباً ما يكون هذا السلوك عرَضاً مرتبطاً بأحد اضطرابات الشخصية، مثل اضطراب الشخصية النرجسية أو اضطراب الشخصية المُعادية للمجتمع، لكنه قد يظهر أيضاً بوصفه حالة مستقلة.
وتشير التقديرات إلى أن الكذب المَرضي ينتشر لدى ما بين 8 و13 في المائة من عامة السكان.
عندما تعتقد أن شخصاً ما كذب عليك، من الطبيعي أن تشعر بالألم أو الخيانة. لكن قبل مواجهته، هناك مجموعة من الخطوات التي يوصي بها المعالجون النفسيون للتعامل مع الموقف.
يوضح جوردان أ. كونراد، الحاصل على درجة الدكتوراه والاختصاصي الاجتماعي السريري المرخّص بمدينة نيويورك، أنه عندما تكتشف عدم تطابق الوقائع، قد يكون رد فعلك الأول افتراض أن الشخص تعمّد الكذب لإيذائك، فتسارع إلى مواجهته انطلاقاً من هذا الاعتقاد.
لكن قبل اتخاذ أي خطوة، اسأل نفسك عن طبيعة علاقتك بهذا الشخص.
ويقول كونراد: «اجعل رد فعلك متناسباً مع طبيعة الشخص؛ فالصديق المقرَّب الذي اعتاد دعمك يستحق استجابة مختلفة عن تلك التي قد تُوجهها إلى زميل في العمل اعتاد التقليل من شأنك».
ينصح كونراد بأن تسأل نفسك: كيف كنت سأتصرف لو أخبرني هذا الشخص بالحقيقة؟
وينطبق ذلك على الأكاذيب البسيطة، مثل أن يمتدح أحدهم قَصة شعرك رغم أنها لا تعجبه، كما ينطبق على المواقف الأكثر جدية، كأنْ يشجعك صديق على اتخاذ خطوة مهنية جريئة، رغم اعتقاده أنها فكرة سيئة.
ويقول كونراد: «إذا كنت تغضب في كل مرة يخبرك فيها صديق بشيء لا ترغب في سماعه، فتوقَّعْ أن يبدأ الآخرون إخفاء بعض التفاصيل عنك، أو حتى الكذب عليك. ومن المهم أن تكون صادقاً مع نفسك بشأن المعايير التي تفرضها على الآخرين».
يُعرَّف «التلاعب النفسي» (Gaslighting) بأنه أسلوب يهدف إلى دفع الشخص للتشكيك في ذاكرته أو إدراكه للأحداث.
وإذا كنت تتعرض لهذا النوع من التلاعب، فقد يساعدك تدوين روايتك للأحداث والاحتفاظ بالأدلة على الحفاظ على وضوح رؤيتك لما حدث.
وتقول سغرو: «بعض الأشخاص الذين يكذبون، يتمتعون بمهارة كبيرة في زعزعة إدراكك للواقع؛ لذلك يُعد التوثيق أداة ممتازة للحفاظ على ثباتك وتمسكك برؤيتك للأحداث».
قبل مواجهة الشخص الذي تعتقد أنه كذب عليك، حدد النقاط الأساسية التي تريد مناقشتها، وتدرّب على التعبير عنها بصوت مرتفع.
وتوضح سغرو: «عندما تشتد المشاعر، يصبح من السهل فقدان التركيز والابتعاد عن صلب الموضوع. لذلك، يساعدك التدرب مسبقاً على الحفاظ على اتزانك والتركيز على هدفك من الحوار».
من المهم أن تتذكر أن ما حدث قد يكون مجرد سوء تفاهم، وليس بالضرورة كذباً متعمداً.
وإذا قررت مواجهة الشخص، فابدأ بحسن النية، وامنحه فرصة لشرح موقفه وتقديم روايته للأحداث.
ويقول كونراد: «اشرح كيف اكتشفت الكذبة، واطلب منه توضيح وجهة نظره. فاتهام شخص بأمر خطير يتطلب أدلة قوية».
حتى عندما تكتشف كذبة كبيرة، حاول أن تحافظ على هدوئك خلال المواجهة؛ حتى لا ينتهي الحوار بتصرف يجعلك تشعر بأنك لم تحترم نفسك.
ويقول كونراد: «مشاعرك مشروعة، ومن حقك التعبير عنها، لكن الانهيار أو التصرف بطريقة قد تندم عليها لاحقاً لن يكون مفيداً».
يُعد وضع الحدود الشخصية أمراً أساسياً في أي علاقة، ولا سيما العلاقات التي تضررت بسبب الكذب.
وتوضح سغرو أن وضع الحدود لا يعني فرض تعليمات على الآخرين بشأن ما يجب عليهم فعله؛ لأنك لا تستطيع التحكم في سلوك شخص آخر أو تغييره، بل يعني ذلك «تحديد توقعات واضحة بشأن ما سيحدث إذا لم يحترم الطرف الآخر حدودك».
تتفاوت الأكاذيب بين أكاذيب بيضاء بسيطة وإخفاء حقائق جوهرية، كما تتفاوت ردود الفعل عليها؛ فقد تشعر بالانزعاج أو الألم، أو حتى باضطراب نفسي شديد.
لذلك، امنح نفسك الوقت الكافي لفهم مشاعرك والتعامل معها، سواء من خلال تدوين أفكارك أم التحدث عما حدث مع شخص تثق به.
أما إذا كانت الكذبة كبيرة، مثل خيانة الأمانة، فقد تحتاج إلى فترة أطول لاستيعاب ما حدث وترتيب أفكارك.
وتقول سغرو: «عندما تشعر بأن واقعك قد اهتز، فإن ممارسة الأنشطة التي تستمتع بها تُعد وسيلة ممتازة للحفاظ على تواصلك مع ذاتك».
وتضيف أنه يمكنك أيضاً تجربة تمارين التهدئة، مثل التنفس العميق؛ لمساعدة جهازك العصبي على الاسترخاء.