إن تعلق أبيغيل المرضي بجون في فيلم البوتقة (The Crucible)، المقتبس عن مسرحية لآرثر ميلر، ومن إخراج نيكولاس هايتنر (Nicholas Hytner)، يزداد كلما شعرت بأن جون يفلت منها، فتزداد حاجتها إلى التأثير في من يحيطون بها، وهذا يمنحها قوة مختلفة. فقد استطاعت توجيه الشك واستثارة الخوف، وكأنها ضحية لقوى سحرية خفية. وهذه ليست مجرد حكاية تاريخية، إذ يكشف ميلر تضخم الشائعات وفعاليتها عندما يتم التعامل معها بوصفها ضمانا للحقيقة، ولا سيما حين تقترن بالمكانة الاجتماعية. كما يكشف كيف يتغذى الخوف على ضعف الشخصيات نفسيا، وكيف يمكن لافتقاد المكانة الاجتماعية أن يؤدي إلى سحق أصحابها. وهذا يصور طبيعة التفكير الإنساني عندما يصبح الجهل مخيفا جدا، ويؤثر في الأحكام التي يصدرها المجتمع على أفراده. إن أبيغيل شخصية متلاعبة، مصابة بهوس توجيه الآخرين، كما أنها تعيش الخوف من العواقب الأخلاقية والعقاب. وهذا ملموس منذ المشهد الأول في الغابة، لأن اكتشاف ما حدث سيؤدي إلى معاقبتها: «آه، سيجلدوننا»، فهي واعية للعواقب التي ستواجهها. لذلك تسلك طريق السيطرة على الآخرين بتخويفهم ومنعهم من كشف أمرها. وعندما تهز أبيغيل بيتي، ثم تصفعها وتصرخ في وجهها، تكشف لنا أنها لا تتحمل فقدان السيطرة على من حولها. وفي هذا براعة أسلوبية مرتبطة نفسيا بفهم المخرج للشخصية، إذ أبدع في التركيز على تعابير الممثلين، ووظف الانفعالات النفسية جسديا للكشف عن قوة سيطرتها. هي شخصية معقدة دراميا، تجمع بين النقيضين، أو الأضداد إن صح القول. وعندما تقول لبيتي: «لقد تحدثت إلى والدك وأخبرته بكل شيء»، توحي بأنها تسيطر على الموقف، بينما هي تتلاعب بها، ثم تكمل: «اخرسي! قلت اخرسي»، لمنعها من كشف السر. لكن هذا يظهر أيضا شعورها بفقدان السيطرة، وما لم تكتف فيه بالتهديد اللفظي أكملته بالتهديد الجسدي: «سأضربك يا بيتي». فهل تمثل أبيغيل السلطة أم المجتمع؟ وهل يتحول الحب بين جون وأبيغيل إلى حرب تشمل القرية كلها؟ وهل يمثل السحر عجز المجتمعات عن التفسير المنطقي لما يحدث فيها، رغم يقينها القوي بما تعتقده؟ تتراكم التوترات لتصل إلى تصعيد لا يمكن السيطرة عليه، فتشتد الأحداث كلما تم البحث عن الحقيقة، وكلما ازداد الضغط على إبيغيل، تتحول السلطة من أداة للتحقيق إلى قوة قد تؤثر في مضمون ما يُقال لها، فنشعر أن الحقيقة والوهم، والعدالة والانتقام والرغبة والامتلاك وكل ما من شأنه أن ينصهر مع الضغط والهلع يكشف حقائق تدفع أيضاً إلى ارتكاب المزيد من الأفعال التي تتشوه وتُشكل حقيقة يريد البعض سماعها بغض النظر إن كانت صحيحة أم غير صحيحة حتى جون عندما يصرخ «لكنك لست الله يا إليزابيث…لا تحكمي عليّ» يجعلنا نشعر بأن زوجته لم تعد شريكته في الحياة، بل صارت محكمة داخل البيت. وهو لا ينكر مسؤوليته عن خطئه، لكنه يرفض أن تتحول مسؤوليته إلى حكم دائم. ثم يوسّع ميلر مساحة البوتقة، فالخطر لا يبقى محصوراً في النساء المتهمات، بل كل شخص يحاول كشف الخلل، فكل من يعترض يصبح ضحية للحفاظ على صورة السلطة التي ترفض مراجعة أحكامها، لأن دانفورث لا يريد الاعتراف بخطأ المحكمة. لكن السؤال الأهم بعد كل هذا هل يخشى دانفورث القاضي في المحكمة الاعتراف بأنه مخدوع؟
البوتقة تجعلنا ننصهر في داخلها ونحن نتمعن بالشخصيات، فإليزابيث تكذب لأنها تحاول حماية زوجها، لكنها في الوقت نفسه شهادتها تهدم ما فعله زوجها لينقذها، لأنها تفكر في سمعة أولادها مستقبلاً، وماري تتراجع لأنها لا تحتمل العزلة والخطر، وبروكتور ينسحب أخلاقياً، وعندما كل فرد في مجتمع ما يحاول النجاة بطريقته ينتج هذا التشابك كارثة اجتماعية. لكن تتجاوز خطورة الكذب نفسه عندما يتصل باللحظة التي يفقد فيها الإنسان حقه في شرح الحقيقة، لأن من يتلقّاها لا يبحث عن معناها، بل عن ثغرة يستطيع أن يقلبها عليه. حينها لا يعود الكلام وسيلة لإظهار الواقع، بل يصبح ساحة يتربص فيها التأويل السيئ بكل كلمة، ويُنتزع من الكلمات ما لم يقصده صاحبها، ثم يُعاد تقديمه بوصفه دليلاً ضده. «كيف أعّلم أبنائي أن يسيروا في العالم كرجال، إذا كنت قد خنت أصدقائي؟»، لكن المأساة أن الإنسان لا يستطيع أن يتكلم من دون أن يترك في كلامه مساحةً للتأويل. اللغة ليست نسخة مطابقة لما في النفس، إنها محاولة لنقل تجربة معقدة عبر كلمات محدودة. وقد يتردد المرء، أو يختصر، أو يختار تعبيراً لا يستوعب تماماً ما يريد قوله. لكن الشخص الذي يتعمد تشويه الحقيقة لا يرى في هذه الفجوات حدوداً طبيعية للغة، بل فرصاً لصناعة اتهام. إذ لا يسأل ماذا أراد المتكلم أن يقول؟ بل كيف أستطيع أن أجعل ما قاله يبدو كأنه اعتراف بما لم يفعل؟ وهنا تتضاعف محنة المظلوم، فهو لا يواجه الادعاء الكاذب وحده، بل يضطر إلى الدفاع عن كل كلمة يقولها، ثم الدفاع عن تفسيره لها، ثم الدفاع عن نيته، وكأن عليه أن يثبت براءته من احتمالات لا تنتهي. وكلما حاول التوضيح، ظهرت تفاصيل إضافية يمكن اجتزاؤها من سياقها، حتى يصبح دفاعه مادةً جديدة للاتهام. إنه يدخل محاكمة لا تُغلق أبوابها، لأن خصمه لا يريد الوصول إلى حقيقة يمكن حسمها، بل يريد إبقاء الشك حياً مهما قُدّم من تفسير. وهذا ما يجعل الافتراء أشد خطراً من كذبة عابرة، إنه لا يكتفي بتشويه صورة الإنسان، بل يحاول أن ينتزع منه القدرة على تصحيحها. وحين تتكرر الرواية الكاذبة، قد يصبح المظلوم مطالباً بإثبات أنه ليس الشخص الذي صوّره الآخرون، بدلاً من أن يُطالَب أصحاب الادعاء بتقديم الدليل على ما نسبوه إليه. تنقلب بذلك أعباء الحقيقة. يُترك القاذف في مأمن من المساءلة، ويُدفع المتهم إلى استنزاف نفسه في نفي ما لم يفعله». ما يقوله الآخرون ليس كأن أوقع أنا عليه»، وهذا هو أحد المفاتيح النفسية العميقة في مسرحية «البوتقة». فجون بروكتور لا يواجه اتهاماً فحسب، إنه يواجه سلطة تستطيع أن تعيد تفسير أقواله، وأن تجعل اعترافه دليلاً، وصمته دليلاً، ورفضه الاعتراف دليلاً آخر. حين تصبح كل استجابة قابلة للاستخدام ضده، يفقد الحوار وظيفته، لأن النتيجة مقررة سلفاً، ولا يبقى للغة سوى أن تُساق لتخدم الحكم.
لكن ثمة فارقاً حاسماً بين وجود ثغرات طبيعية في التعبير، وتحويلها عمداً إلى أدوات للإدانة. فالإنسان قد يسيء التعبير من دون أن يكون مخادعاً، وقد يتناقض في تفصيل من دون أن يكون كاذباً في جوهر كلامه. لذلك لا تكمن العدالة في مطالبة الإنسان بأن يصوغ كلاماً يستحيل إساءة فهمه، بل في قراءة كلامه ضمن سياقه، والتمييز بين ما قاله فعلاً وما أُلصق به، ومطالبة صاحب الادعاء بالدليل بدلاً من تحميل المتهم عبء نفي كل احتمال. والأشد قسوة أن الافتراء قد يدفع الإنسان، مع الوقت، إلى مراقبة نفسه بصورة مرهقة، فيحسب كل كلمة، ويخشى كل تعبير، ويعيد صياغة أبسط مواقفه تحسباً لمن ينتظر زلّةً لغوية. وهكذا ينجح التشويه في فرض سلطته حتى قبل أن يتكلم صاحبه. يصبح الإنسان أسير الرقابة التي يتوقعها، ويخسر شيئاً من عفويته لأنه مضطر إلى الدفاع مسبقاً عن معانٍ لم يقصدها. «إنني أكذب حين أوقع اسمي على الأكاذيب»، ومع ذلك، ينبغي أن لا يتحول هذا الإدراك إلى صمت كامل، أو إلى اعتقاد بأن الحقيقة عاجزة دائماً عن الدفاع عن نفسها. فليس مطلوباً من المظلوم أن يضمن استحالة تحريف كلامه، فهذا مستحيل، بل أن يقدّم ما يستطيع تقديمه بوضوح، وأن يحتفظ بسياق أقواله وأدلته، حين يكون ذلك مهماً، وألا يقبل بأن تصبح كل ثغرة في التعبير اعترافاً بجرم. كما أن مسؤولية الإنصاف تقع على من يسمع ويحكم عليه ألا يخلط بين احتمال التأويل وصحة الاتهام. فالخطر ليس أن تكون في كلمات الإنسان ثغرات، فهذا من طبيعة اللغة. الخطر أن يقف أمامه من لا يريد فهم الكلمات، بل يريد استخدام ثغراتها لإدانته. وقسوة كل هذا الافتراء هو أن يُجبر الإنسان على شرح نفسه أمام من اتخذ قراراً مسبقاً بألا يفهمه.