تكشف كتابات أدونيس وصلاح عبد الصبور وعبد الوهاب البياتي ومحمد بنيس وقاسم حداد ومحمد الغزي وصلاح بوسريف وآخرين؛ أن سلطان الصوفية عليهم كان كبيرا. وربما كان أدونيس المنظر الأكبر لهذا الاتجاه، الذي كانت له سطوته في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، ولم يفلت منه سوى قليل من الشعراء مثل، سعدي يوسف ومحمود درويش؛ ما عدا قصيدة واحدة لدرويش هي «الهدهد». صدّر أدونيس مجموعته «كتاب التحولات» و«الهجرة في أقاليم النهار والليل» بشذرتين من شذرات النفري، وخص النفري بفصل، في كتابه «الشعرية العربية»، حيث لا يخفي أدونيس انبهاره بتجربة النفري ولغته. هذه التجربة التي تقتضي للتعبير عنها، إذ يعدها كلاما يفلت في آن من المشترك العام، ومن العقل والمنطق ذلك أنها مما لا يقال؛ أو حيث اللغة فيها مغامرة لقول ما لا يقال.
إن هذا الانبهار بتجربة النفري الصوفية ولغته ذات الإشارات العائمة، وهذه العودة إلى الموروث الصوفي في الشعر العربي (الحلاج وابن عربي والسهروردي المقتول)، لم يكونا مفصولين عن ثقافة الشعراء الذين ذكرت. وهي ثقافة متداخلة، ومزيج «غريب» من صوفية وماركسية وسريالية، فقد اختار أدونيس مثلا أن يكون التصوف رافدا من روافد تجربته، قادته إليه «السريالية، فاكتشف ما ينطوي عليه من قيم شعرية ومعرفية كالحدس، من حيث هو طريق حياة وطريقة معرفة، واللاعقلانية، من حيث هي ثورة على المنطق والشريعة، وتوكيد على الباطن والحقيقة والحرية، التي ترفض أن يكون الإنسان تحت رق المخلوقات، وأن يجري عليه سلطان المدونات». فالتصوف في تقديره، حدس شعري ومعظم نصوصه نصوص شعرية صافية. ولهذا فإن القيم التي يضيفها الشعر العربي الجديد؛ إنما يستمدها من التراث الصوفي العربي، في الدرجة الأولى. ولم يقف أدونيس في نظرته إلى التصوف الذي يبلغ ذروته في نصوص النفري، على حد الإعجاب والدهشة، وإنما حاول أن يرفع التصوف، عن مستوى الأهواء العارضة والأذواق المستجدة، ليصبح مصدرا من مصادر التجربة الشعرية؛ فترقى من حالة الاختيار إلى حالة الرؤية الشعرية المشتركة، في سياق أشبه بميثاق بين الشاعر المحتذِي والشاعر المحتذَى.
وأدونيس يستخدم في مجمل بياناته الشعرية لغة ذات إشارات ومدلولات صوفية واضحة. فالطريق التي يترسمها الإبداع الشعري «حدسية، إشراقية رؤياوية، تبحث عن الحلول في فيض الحياة وغناها، في تفجر ممكناتها وتنوعها. والشعر نفاذ إلى ما وراء قشرة الواقع وغوص في أعماقه وتجاوز للظواهر ومواجهة للحقيقة الباطنة»، و»نوع من السحر يهدف إلى أن يدرك ما لا يدركه العقل». وينشأ من هذا كله «علم آخر للمعاني يتجاوز المقاييس والمصطلحات الماضية»، ويصبح «النفري وكثيرون غيره يعيشون حتى بطرائق تعبيرهم، في كثير من قصائدهم، في عالمنا الشعري الحاضر الذي نسميه حديثا؛ ويكونون أقرب إلينا من شعراء كثيرين يعاصروننا ويعيشون معنا في مدينة واحدة». إن هذه الاصطلاحات: الحدس والإشراق والرؤيا والكشف والغيب والحلول والظاهر والباطن والحالة والمقام والإلهام والإشارة، اصطلاحات صوفية لا يكاد يخلو منها نص صوفي قديم. ومن الواضح أن هذه الاصطلاحات المبثوثة في جل نصوص أدونيس وغيره، ظلت محتفظة بدلالاتها الصوفية القديمة. ولم يستطع جل الشعراء الذين ذكرتهم، رغم الجهد الذي يبذلونه في إعادة كتابتها؛ أن يطمسوا محمولها الميتافيزيقي، وأن يستنفدوا وظيفتها الابستيمولوجية. وكل ما فعلوه أنهم طعموها بشيء من الذاتية، وبثوا تحت قشرتها شيئا من الحرية. ومن ثمة فإن رؤيتهم الشعرية وهي معرفية أيضا تتطابق ورؤيةَ المتصوفة؛ فكلتاهما تصادر العقل والمنطق، وتستبدل الكشف والإلهام بهما: «وقال لي: «بين النطق والصمت برزخ فيه قبر العقل وفيه قبور الأشياء». كما يقول النفري.
وكلتاهما تقوم على الإشارة والإيماء والرمز، فما يناجيه النفري في مواقفه ومخاطباته هو عالم الغيب والباطن. ولهذا فإن لغته هي لغة القلب أو الوجدان التي لا تدرك إلا بالذوق والإلهام، فـ»العلم كله يطالب بحكمه، ولا سبيل إلى الفكاك من الحكم، أو يصمت لسان العلم، والعلم كله ما كان طريقه السمع، ولا يصمت لسان العلم، أو ينطق لسان المعرفة. والمعرفة كلها ما كان طريقه القلب». وإذا كان القلب أو الوجدان مصدر المعرفة، فإن الرؤية الشعرية (رؤية أدونيس وغيره) أو الرؤية الصوفية لا تقوم إلا على تجليات ومشاهدات ومجاهدات وفيوضات؛ فتقتضي كلاما يفلت في آن من المشترك العام ، ومن العقل والمنطق؛ حتى يتواءم والحالةَ الشعورية الروحية، فتنتقل الكلمة من مدار إلى مدار، ومن معنى مقالي إلى معنى مقامي، وتغدو إشارة حرة متحولة، فيها من المذاقات ما لم يكن ومن الأسرار ما لم يعهد. وتتغير تبعا لذلك «صورة العالم وعلاقاته ومفاهيمه»، وتبطل مقولتا الزمان والمكان، إذ ينسلخ المكان من مكانيته والزمان من زمانيته؛ فالصوفي هو «الذي تجيئه مكة وتطوف حوله، وترجع، ولا يشعر به حتى كأنه أخذ». ومن ثمة فإن الرؤية الصوفية، إذ تسعى إلى التحرر من سلطان المكان وسلطان الزمان وإلى التجرد عن رِق الأشياء وعن مراعاة الأوقات، تبدو أقرب إلى طبيعة الفكر الغيبي الذي يقطع كل صلة بضوابط النظر العقلي، وينزع إلى إضفاء صفات غامضة على مواضيعه وأشيائه وشخوصه.
على أن هناك هوة زمنية سحيقة تفصل بين تجارب هؤلاء الشعراء، وتجارب قدماء الصوفية؛ ومع ذلك فإنهما تتزاوجان في حيز واحد أو تكادان، فكلتاهما تصدر في الظاهر، عن موقف من العالم، مثالي ميتافيزيقي، وكلتاهما تنهض لها مثلما تنهض بها، لغةٌ ذات أسرار وإشارات خفية لطيفة. لكن هل يعني ذلك أنهما متزاوجتان إلى حد التماثل والتماهي؟ وهل استطاع عبد الصبور مثلا في «مأساة الحلاج» أو البياتي في «عذابات الحلاج» أو أدونيس أن يوائم بين اللغة الصوفية المفارقة وعالم الجسد الذي يحاوره، مثلما استطاع النفري أن يوائم بينهما وبين عالم الغيب الذي يناجيه؟ هل أفسحوا المجال لنصوصهم حتى تتمايز فتغذُوَ أغصانا وفروعا جديدة في شجرة النصوص المتداخلة، لا تستحث نسغها ولا تستعجل ثمرتها؟ إن استبدال السياق واضح في كثير من قصائد هؤلاء. من ذلك أن أدونيس يحتفي بالجسد، فيرق الجسد ويشف حتى يصبح جوهرا مفردا، مدركا فاعلا، مستقلا عن صاحبه. ويظل الفرق قائما فإذا كان المتصوف في تجربة النفري مثلا، يلغي الثنائية ويتلاشى، بوثبة وجدانية في حضور الذات الإلهية «وقال لي: قف بحيث أنت واعرف نفسك ولا تنس خلقك ترني مع كل شيء، فإذا رأيته فالق المعية وابق لي؛ فلا أغيب عنك»؛ فإن العاشق في تجربة أدونيس لا يقدر على التخلص من هذه الثنائية.
وإذا حاول فإن محاولته لا تعدو أن تكون تأكيدا لها، فوراء كل صورة من صور الجسد تختفي الذات. وفي هذا المستوى يمكن القول إن النص «الصوفي» الحديث، يجاري النص القديم، في لغته المتفجرة، وفي المصدر الذي ينهل منه، وهو العشق؛ لكنه يفترق عنه، فكل من النصين يضفي على التجربة بعدا ذاتيا فالعشق في التجربة الصوفية القديمة يأخذ بتعبير كنائي، وفيه تنفصل الذات أو تغفل عن الجسم المظلم الكثيف الخاضع للكون والفساد. وهو في النص الحديث جسدي يأخذ بتعبير استعاري، وهو لا يوجد لذاته أو في ذاته؛ فبينه وبين الوعي الإنساني أكثر من نسبة وأكثر من علاقة. هو في التجربة القديمة، على تعددها وتنوعها، حيث الحلاج مثلا ليس النفري؛ يظل إقرارا بالوحدانية والشمولية. وهو في هذه التجربة الحديثة، إقرار بالانقسام والتعددية في الذات الواحدة. ورغم هذا التمايز فإن التجربتين كلتيهما تزاوجان بين العشق والمعرفة، إذ تجعلان من العشق طريقة من طرائق الكشف والمعرفة؛ لكنهما تتقاطعان أيضا في هذا الحيز نفسه؛ فالمعرفة في التجربة الأقدم إلهامية ذوقية. وهي عند الشعراء الذين ذكرت، على تنوع كتاباتهم هم أيضا؛ ذوقية وحسية وجدانية في آن. ومهما يكن فهذه كلها رؤية من رؤى العالم وطرق إدراكه. ولا غنى عن النص ـ ما رمنا تصنيفه ـ بسائر مكوناته، ولا عن مراجعه جغرافية كانت أو تاريخية، حيث الكلمات حمالة الأشياء تشير دائما إليها؛ حتى وهي تجري وتلوي في ثنايا الاستعارات والتشبيهات والكنايات، وما إليها من أوجه الصورة الشعرية. وهذه القصائد مثار أسئلة شتى: كيف نفهم مصطلح «الصوفي» وهل هو «تراسل» أم هو «تناص» أم هو بحث عن «مشروعية» أدبية؟ وهل لذلك صلة بسيرة الشاعر أو بحدث ما؟ ومن المتكلم أو المتلفظ في النص، وبخاصة كلما كان سردا وحوارا: أهو الشاعر أم الراوي؟ وهل القراءة بحث عن معنى ودلالة أم هل هي بحث في قيمة ومزية أم في الاثنين؟