«هناك وقت للعيش ووقت للموت، وما بينهما هو وقت للتذكّر» إيزابيل الليندي. منذ العتبة الأولى لرواية «شظايا الذاكرة» لمحمد سرسك، الصادرة حديثا عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، تبدو الذاكرة أكثر من فعل استرجاع للماضي؛ إنّها محاولة للإبقاء على ما أراد الاقتلاع أن يجعله منقطعا عن الحاضر والمستقبل. ولعلّ هذا المعنى يجد صداه في رؤية غسّان كنفاني في «عائد إلى حيفا»: «لقد أخطأنا حين اعتبرنا أنّ الوطن هو الماضي فقط، فالوطن هو المستقبل». من هذا المدخل يمكن قراءة رواية سرسك؛ فالذاكرة عنده ليست صندوقا للماضي، وإنّما قوّة فاعلة في تشكيل الإنسان. ولذلك يختار الروائي «الجينات» استعارة سردية لتمثيل ما ينتقل من جيل إلى آخر: المكان، والاسم، والحكاية، والألم، والحنين، والإحساس بالانتماء. وفي هذا المعنى تصبح «شظايا الذاكرة» هي ما تبقى من وطن تعرّض للكسر، فيما تصبح «جينات الذاكرة» ما يظلّ قادرا على الانتقال بعد هذا الكسر. وتبدو الفكرة أكثر وضوحا في العبارة التي تحمل مفتاحا أساسيا في الرواية: «حملنا أنا وموسى جيناتنا القديمة لأبنائنا وأحفادنا، احتفظنا بكلّ ما تبقى لنا فيهم، حتّى لا يسقطوا ثانية في امتحان التجربة…». الحديث عن الجينات هنا لا يحيل إلى الوراثة البيولوجية بمعناها العلمي، بقدر ما يحيل إلى وراثة الذاكرة والهوية. إنّ ما يُحمِّله الأب إلى أبنائه ليس حكاية الماضي فقط، وإنمّا حقٌّ لم يسقط بسقوط المكان. وفي رواية سرسك يجد الفلسطيني نفسه محمولا على تاريخ لم يختره ولا يستطيع التنصّل منه؛ فالنكبة والنكسة لا تقتلعان الإنسان من أرضه فقط، وإنمّا تعيدان تشكيل علاقته بذاته وبالمكان وبالزمان.
وإذا كان «الجين» في الرواية استعارة لما ينتقل من الآباء إلى الأبناء، فإنّه يأخذ خصوصية أكبر في التجربة الفلسطينية بوصفه «جين الذاكرة». العودة ليست مجرّد عودة إلى مكان، وإنّما استعادة لزمن ومكان سُرقا معا. ومن هنا تبدو النكبة والنكسة في الرواية أكثر من لحظة تاريخية محدّدة؛ إنّها لحظة عطّلت الزمن الفلسطيني ودفعت الإنسان إلى العيش في قطيعة مع زمنه الطبيعي، الأمر الذي جعل استعادة الماضي فعلا يتّجه إلى المستقبل في الوقت نفسه. ويمنح بول ريكور، في كتابه «الذاكرة، التاريخ، النسيان»، هذه العلاقة بين الذاكرة والزمن بعدا أعمق؛ فالذاكرة لا تستعيد الماضي بوصفه شيئا انتهى، وإنّما تستدعي غائبا ما زال حاضرا في وعينا. ومن هذه الزاوية يمكن فهم الذاكرة الفلسطينية في «شظايا الذاكرة»: إنّها لا تعمل على حفظ الماضي فحسب، بل تقاوم تحوُّله إلى زمن منسيٍّ أو منقطع. ولهذا تأتي العبارة الأكثر قسوة في الرواية: «مسختنا النكبة… أعادت بناء جيناتنا كما لو أنّنا فئران مخبرية، وزرعت فينا جينات مخلوقات جديدة، صار يطلق العالم عليها بدمه البارد اسم لاجئ». إنّها ليست مجرّد تعبير عن اللّجوء، بل إنها توصيف لتحوّل وجوديّ أصاب الفلسطيني. فالنكبة، وفق هذا التصوير، لم تُغيّر عنوان الإنسان فقط، وإنّما أعادت إنتاج هويته تحت شروط جديدة. الرواية لا تسمح لهذه الهوية الجديدة بأن تلغي الهوية الأولى. فالاقتلاع يمكن أن يغيّر المكان الذي يعيش فيه الإنسان، لكنه لا يستطيع بسهولة اقتلاع المكان من داخله. لذلك يقول الراوي عن العباسية: «ظلّت العباسية، القرية التي لم تنزع جذور أشجارها من روحي… وكلّما لمسته كنت ألمس شيئا من ذاكرتي التي لا تغيب عنها الشمس«. هنا تتحوّل الشجرة إلى أكثر من تفصيل مكانيّ. إنّها ذاكرة حيّة. والجذر الذي بقي في الروح يقاوم الجذر الذي اقتُلع من الأرض، ولذلك تصبح الأشياء الصغيرة، في الرواية، حوامل للذاكرة: شجرة، مفتاح، قبر، اسم قرية، قطعة من ثوب، حكاية عائلية. ومن أكثر المقاطع دلالة على ذلك قول الرواية: «الغياب عمن تحبّ موت… نريد التخلّص من غيابنا عن أرضنا… فنتشبّث بأيّ قشّة تردّ لنا أقلّ ما نحتاجه من ذاكرة قرانا وبلداتنا». فحين يعجز الإنسان عن استعادة المكان ماديا، يبحث عن أيّ أثر يعيده إليه رمزيا، لذلك يصبح التمسّك بالتفصيل الصغير فعل مقاومة، لأنّ ضياع التفاصيل يعني في النهاية ضياع الأرض نفسها.
وتتجسّد مأساة الهوية بصورة أوضح في مصائر الإخوة الثلاثة: صالح الذي بقي في يافا، وموسى وأحمد اللذان خرجا منها. تقول الرواية: «بحث أحمد وموسى وعائلتاهما عن مكان وهوية جديدين بعد تجريدهم من قبور آبائهم وأجدادهم، وحكايات أبناء قراهم ومدنهم، وفقدانهم أرضهم وثروتهم وماضيهم». تكثّف هذه الجملة جوهر الصراع؛ ففقدان الأرض لا يعني فقدان العقار وحده، وإنّما فقدان شبكة كاملة من العلاقات التي تمنح الإنسان إحساسه بذاته. القبور، والحكايات، والقرى، والثروة، والماضي، كلّها أجزاء من الهوية. وحين تُنتزع هذه العناصر من الإنسان، يصبح مضطّرا إلى البحث عن هوية جديدة، لكنّه لا يستطيع أن يبدأ من الصفر. فالخارج لم يمحُ الداخل؛ بل حمل كل واحد منهما يافا في داخله، وانتقلت آثارها إلى الأبناء والأحفاد. وهذا ما يفسر الحديث المتكرِّر في الرواية عن «الجينات الجديدة». فالإنسان حين ينتقل إلى مكان آخر لا يبقى كما كان، ولا يصبح أيضا إنسانا جديدا بالكامل. تتداخل الذاكرة القديمة مع التجربة الجديدة، ويولد من هذا التداخل شكل آخر من أشكال الهوية. تصل الرواية إلى لحظة كاشفة حين تقول عن الشخصيات: «عادت جيناتهما الأصلية المجمّدة في الشتات إلى الحياة». ثمّ تضيف: «عادت تتحرّك جيناته القديمة في أعماقه… فهو لم يعد وحيدا معزولا، إنّه فلسطينيّ عربيّ، ولن يكون غير ذلك». الجينات هنا لا تموت، وإنّما تدخل في حالة كمون. وقد يطول هذا الكمون، لكنّه لا يعني انتهاء الذاكرة. وحين تأتي لحظة تاريخية أو تجربة شخصية قادرة على تحريكها، تستعيد الذاكرة قدرتها على الفعل.
ولعلّ هذا ما يفسر انتقال الرواية من ذاكرة الآباء إلى وعي الأبناء والأحفاد. فالأجيال الجديدة لم تعش النكبة، لكنّها ورثت آثارها. ومن هنا يصبح السؤال الحقيقيّ ليس: ماذا ورث الأبناء عن آبائهم؟ وإنّما: ماذا سيفعلون بما ورثوه؟ في هذا السياق يصف سرسك اللاجئين الذين حملوا أحلامهم معهم قائلا: «بعض اللاجئين… لم يتوقّفوا عن حمل أحلامهم الباقية معهم في حقائبهم، كتبوها بدموع العين، وحفروها على جذوع الأشجار في البلاد التي حطّوا رحالهم فوق ترابها». إنّها صورة تختصر علاقة الفلسطينيّ بذاكرته: الحلم يتحوّل إلى كتابة، والكتابة تتحوّل إلى أثر، والأثر يصبح جزءا من الذاكرة. لكن الرواية تذهب أبعد من ذلك حين تقول: «زرعوا جينات جديدة في كلّ مكان وصلوا إليه، جينات الألم والعذاب والقهر مع كلّ موّال أو همسة أو حفنة تراب مقبلة من البلاد». هنا تصبح الذاكرة قابلة للتكاثر. يخرج الألم من إطار التجربة الفردية، ليتحوّل إلى وعي جماعي. ومن هنا أيضا يمكن فهم حضور المقاومة في الرواية بوصفها لحظة استيقاظ للذاكرة. فحين تقول الرواية إنّ «الجينات اشتعلت واتّقدت»، لا يعود الماضي مجرّد مادة للتذكّر، وإنّما يتحوّل إلى طاقة للفعل.. وبذلك لا تقدِّم «شظايا الذاكرة» النكبة والنكسة بوصفهما حدثا انتهى في الماضي؛ فقد غيّرت أسماء الأمكنة في الخرائط، لكنّها لم تستطع تغيير الأسماء التي بقيت في الذاكرة. ولذلك تبدو علاقة عنوان الرواية بفكرة «جينات الذاكرة» عميقة الدلالة. فالشظية هي ما يتبقى من الكسر، لكنّها ليست الكسر كلّه. والجين، في استعارة الرواية، هو ما يظلّ قادرا على الانتقال بعد الكسر. وبين الشظية والجين تتحرّك الرواية كلّها: مكان مكسور، وذاكرة تحاول أن تعيد جمع نفسها، وهوية تبحث عن صورتها وسط تاريخ طويل من الاقتلاع. في النهاية، لا يقول محمد سرسك إنّ الهوية تنتقل من الآباء إلى الأبناء بصورة جاهزة ونهائية، وإنمّا يقول شيئا أكثر تعقيدا: إنّ ما ينتقل هو المادة الأولى للهوية، أمّا إعادة بنائها فتظلّ مهمّة كلّ جيل. ولهذا فإنّ أبناء الشتات لا يرثون فلسطين بوصفها حكاية مكتملة، وإنمّا يرثون شظاياها: اسما، وصورة، وشجرة، ومفتاحا، وقبرا، وأغنية، وذاكرة. ومن هذه الشظايا يعيدون تركيب المعنى. وما يبقى بعد انكسار المكان إضافة إلى المكان نفسه، هو جيناته التي تسكن الإنسان.