ليست ووهان مجرد مدينة صينية عابرة في ذاكرة الزائر، بل تجربة إنسانية وعلمية متكاملة، تجمع بين جمال الطبيعة، وتطور الحياة العصرية، وثراء التجربة الأكاديمية. فمنذ الوصول إليها، يشعر الإنسان بأنه أمام مدينة تحمل في تفاصيلها ملامح الصين الحديثة، وتفتح أبوابها للعلم والمعرفة، وتمنح طلبتها فرصة لاكتشاف ثقافة مختلفة وصناعة مستقبل أكثر إشراقًا.
تقع ووهان في مقاطعة هوبي، وتتميز بموقعها الحيوي والتقاء نهري اليانغتسي وهان فيها، الأمر الذي أضفى عليها جمالًا طبيعيًا خاصًا. وتُعد بحيرة الشرق من أبرز معالمها، بما تتمتع به من مساحات خضراء ومناظر خلابة تستقطب السكان والزوار، فيما تضفي أزهار الكرز في فصل الربيع على المدينة أجواءً استثنائية تجعل شوارعها وحدائقها لوحات تنبض بالحياة والجمال.
لكن الوجه الأبرز لووهان، بالنسبة إلى الطلبة، يتمثل في مكانتها العلمية والجامعية؛ فهي تحتضن عددًا من الجامعات المرموقة التي تستقطب آلاف الطلبة من داخل الصين وخارجها، وتوفر بيئة تعليمية متطورة تجمع بين الدراسة النظرية والتطبيق العملي والبحث العلمي. ومن بين هذه المؤسسات جامعة هواتشونغ للعلوم والتكنولوجيا، التي تمثل بالنسبة إلينا مساحة لتحقيق الطموحات، وتطوير المهارات، والاستفادة من التجربة التعليمية الصينية.
إن الحياة الجامعية في ووهان لا تقتصر على المحاضرات والامتحانات، بل تمتد إلى التعرف على ثقافات متعددة، وبناء صداقات جديدة، واكتساب مهارات حياتية تعزز الثقة بالنفس والاستقلالية. كما تمنحنا الدراسة في الصين فرصة لفهم المجتمع الصيني عن قرب، والتعرف على عاداته وتقاليده، وملاحظة ما يشهده من تطور في مجالات التكنولوجيا والبحث والابتكار.
وبوصفي طالبة عُمانية أعيش هذه التجربة، أجد أن الدراسة في ووهان تمثل رحلة تتجاوز حدود التحصيل الأكاديمي؛ فهي فرصة لبناء جسور التواصل الثقافي بين سلطنة عُمان والصين، وتعزيز المعرفة المتبادلة بين الشعبين الصديقين. كما أن وجود الطلبة العُمانيين في الجامعات الصينية يعكس اهتمامهم بالعلم، وحرصهم على اكتساب الخبرات التي يمكن توظيفها مستقبلًا في خدمة الوطن والمساهمة في مسيرته التنموية.
وفي هذه الرحلة العلمية، لا يمكن إغفال الدور الذي تقوم به سفارة سلطنة عُمان في بكين في متابعة شؤون الطلبة العُمانيين الدارسين في الصين، وحرصها على تقديم الدعم والتوجيه لهم، بما يُعزز شعورهم بالاطمئنان ويعينهم على مواصلة مسيرتهم الأكاديمية وتحقيق طموحاتهم. ومن هذا المنطلق، أتقدم بخالص الشكر والتقدير إلى سفارة سلطنة عُمان في بكين على جهودها واهتمامها بالطلبة، كما أتوجه بالشكر إلى وزارة التعليم في سلطنة عُمان على ما توليه من اهتمام بالتعليم والابتعاث وإتاحة الفرص أمام الطلبة لاكتساب المعرفة والخبرات الدولية، والشكر موصول إلى السفارة الصينية في مسقط على دورها في تعزيز التعاون التعليمي والثقافي بين البلدين الصديقين، والإسهام في توطيد جسور التواصل التي تجمع الشعبين العُماني والصيني.
ستظل ووهان في ذاكرتي مدينة تجمع بين هدوء بحيراتها، وحيوية شوارعها، وطموح جامعاتها، ودفء التجارب الإنسانية التي نعيشها فيها. إنها مدينة تعلّمنا أنَّ الغربة يمكن أن تتحول إلى فرصة، وأن العلم هو الطريق الأوسع نحو المستقبل، وأن أجمل ما نحمله معنا من رحلات الدراسة ليس الشهادات وحدها، بل المعرفة والثقافة والذكريات التي تبقى راسخة في القلب.
** طالبة بجامعة هواتشونغ للعلوم والتكنولوجيا في الصين