بعد سنوات طويلة من البحث في أسباب هذا الاختلاف، نجح الباحثون في فك شفرة جزء من هذا الغموض، إذ أظهرت دراسات حديثة، وفقاً لما أوردته هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)، أن الجينات الوراثية هي أحد العوامل المؤثرة في تحديد المدة الزمنية التي يحتاجها الجسم للنوم.
وقد بينت النتائج أن الموروثات الجينية لا تحدد فقط عدد ساعات الراحة اللازمة، بل تمنح بعض الأفراد قدرة فريدة على تحمّل قلة النوم دون أن يتأثروا بالإرهاق أو التعب.
وقدّر العلماء في دراساتهم الأحدث أن العوامل الوراثية مسؤولة عن نسبة تتراوح بين 30 و65 بالمئة من التباين في مدد النوم بين مختلف البشر.
ولاحظ العلماء اهتماماً خاصاً بحالة وراثية نادرة تُعرف باسم "قصر النوم الطبيعي العائلي"، والتي تتيح لمصابيها الاكتفاء بفترات نوم قصيرة جداً.
وأوضح الباحثون أن من يعانون من هذه الحالة يستيقظون مبكراً بشكل طبيعي، رغم أن مدة نومهم قد تتأرجح بين 4 ساعات و6 ساعات ونصف، دون أن يشعروا بأي إعياء.
ونوّه تقرير "بي بي سي" إلى حالة إيمي بيو برنارد، أستاذة علم المناعة في جامعة كولورادو، التي تعتاد على النوم عند الساعة العاشرة مساءً والاستيقاظ في الرابعة والنصف فجراً، وهي في قمة نشاطها وحيويتها.
وتصف برنارد وضعها قائلة: "أكون مستيقظة تماماً ولا أستطيع البقاء في السرير. وأحياناً لا أنام بسرعة، فلا أحصل سوى على 5 ساعات من الراحة".
وعلى الرغم من ذلك، تستيقظ في اليوم التالي وهي تحتفظ بنشاطها، فتخرج لتتمشى مع كلبها، وتخصص ساعة كاملة للتمارين الرياضية في الصالة، وتُنجز ساعة ونصف من العمل قبل حلول الثامنة صباحاً.
ورغم استغراب أصدقاء عالمة المناعة من قدرتها على إنجاز كل هذه المهام رغم قلة ساعات نومها، توضح لهم أن الأمر يبدو طبيعياً داخل أسرتها، حيث يشاركها والدها وشقيقها هذه الخاصية.
الحاجة إلى ساعات نوم أطول
يشدد العلماء على أن الغالبية العظمى من الناس تتطلب فترات أطول من النوم والراحة.
وتستند أحدث مراجعة للأدلة العلمية التي أجرتها المؤسسة الوطنية الأميركية للنوم إلى أن البالغين، في الفئة العمرية من 26 إلى 64 عاماً، يحتاجون إلى ما بين 7 و9 ساعات من النوم يومياً.
لكن الدراسات كشفت عن وجود طفرات جينية تمنح بعض حامليها نشاطاً استثنائياً، وتمكنهم من أداء مهامهم اليومية بكفاءة عالية رغم قلة ساعات نومهم الليلية.
وفي تجربة علمية نُفذت عام 2019، قام الباحثون بحقن فئران بطفرة مرتبطة بقلة النوم، فلاحظوا أن هذه الحيوانات نامت لفترات أقصر، لكنها اكتسبت حماية نسبية من الاضطرابات الذاكرة.
وكشفت دراسة أحدث أجريت على فئران تحمل اختلافات جينية محددة، أن هذه الحيوانات كانت أقل عرضة للإصابة بحالة تشبه مرض ألزهايمر.
وفي سياق متصل، حلل العلماء حالة توأمين غير متطابقين، حيث يحمل أحدهما طفرة جينية تقلل من ساعات نومه بينما يخلو الآخر منها، وخلصوا إلى أن حامل الطفرة ينام أقل بساعة، لكن أخطاءه في العمل كانت أقل بنسبة 40 بالمئة.