حين تختبئ أعصاب الحضارة الحديثة في أعماق البحار، يصبح أمن الكابلات البحرية جزءًا لا يتجزأ من أمن الدول واستقرار الاقتصاد العالمي.
والحقيقة أن أهمية الخليج العربي تتجاوز ثرواته النفطية والغازية؛ فعلى الرغم من مكانته المحورية في أسواق الطاقة العالمية؛ إذ إنه أيضًا فضاء استراتيجي تتجاور فيه الموانئ الكبرى والمراكز المالية والمناطق الاقتصادية ومراكز الخدمات اللوجستية والاتصالات الحديثة. وقد أضحت دوله شريكًا أساسيًا في تشكيل ملامح المستقبل التكنولوجي للمنطقة؛ بل وللعالم أجمع، بما تمتلكه من بنية أساسية متطورة واستثمارات متنامية في الاقتصاد الرقمي، وما قامت به من مبادرات حكومية ضخمة تهدف إلى توطين البيانات من أجل تحقيق السيادة الرقمية، وفي هذا المشهد لا تنفصل سلامة الكابلات البحرية عن سلامة الموانئ والطرق البرية، ولا عن أمن التجارة، ولا عن قدرة المؤسسات والمجتمعات على مواصلة أعمالها واتصالاتها دون اضطراب.
وفي عصرٍ غدت فيه البيانات هي النفط الجديد، والتدفقات الرقمية عصب الاقتصاد العالمي، لم تعد كابلات الإنترنت القابعة في أعماق البحار مجرد أسلاك نحاسية وألياف بصرية، بل هي "شرايين الحياة" التي تغذي الحضارة الحديثة. وفي منطقة استراتيجية بالغة الحساسية كالخليج العربي والبحر الأحمر، تحولت هذه الأعماق السحيقة إلى ساحة معركة غير مرئية، حيث يمثل أي مساس بهذه البنية التحتية الحيوية تهديدًا وجوديًا لا يقتصر على تعطيل تصفح المواقع الإلكترونية، بل يمتد ليعصف بالأمن القومي، والاقتصاد العالمي، والاستقرار الإقليمي.
ويمُر عبر منطقة الخليج ومضيق هرمز ما لا يقل عن 7 كابلات بحرية رئيسة، تُشكِّل أحد أهم مسارات نقل البيانات والاتصالات، وترتبط هذه الكابلات بشبكة تضم نحو سبعة عشر كابلا بحريا في المنطقة، تحمل نسبة كبيرة من حركة الإنترنت العالمية. وتكمن الأهمية الجيوسياسية للبحر الأحمر والخليج العربي في كونهما الممر المائي الأهم عالميًا لحركة البيانات بين الشرق والغرب، مما يجعلهما عنق زجاجة رقمي لا يقل أهمية عن أهم الممرات والمضايق العالمية بالنسبة لحركة التجارة الدولية. تربط هذه الكابلات الممتدة تحت القاع أسواق آسيا النامية بمراكز القرار والمال في أوروبا، وأي استهداف لها يعني عزل قارات بأكملها رقميًا في غضون ثوانٍ معدودة.
وأُولى وربما أبرز المخاطر المترتبة على قطع هذه الكابلات هي "السكتة الاقتصادية" التي قد تصيب الأسواق المالية؛ حيث تعتمد البنوك والمؤسسات المصرفية في العالم على هذه الشبكات لإجراء المعاملات المالية الفورية، وحركات التحويلات الضخمة، والتداولات في البورصات العالمية التي تقاس أرباحها وخسائرها بأجزاء من الثانية. إن انقطاعًا مفاجئًا في هذه البيانات قد يؤدي إلى شلل مالي، وتجميد للتجارة الدولية، وخسائر بمليارات الدولارات في غضون ساعات قليلة، ناهيك عن ضرب ثقة المستثمرين في استقرار البيئة الرقمية للمنطقة.
إضافة إلى ذلك، يمتد الأثر التدميري ليشمل قطاعات حيوية تمس حياة المواطن اليومية بشكل مباشر. في منطقة الخليج التي قطعت أشواطًا هائلة في التحول الرقمي وتبني "الحكومات الذكية"، يعتمد كل شيء تقريبًا على الاتصال السحابي؛ من التدفقات والمعاملات المالية ومنصات التعليم الرائدة، وأنظمة الرعاية الصحية المستندة إلى البيانات والطب الاتصالي، وإمدادات الكهرباء والمياه والحركة المرورية والملاحة الجوية، وصولًا إلى سلاسل الإمداد اللوجستية التي تؤمن الغذاء والدواء.
وقطع الكابلات يعني ببساطة توقف الخدمات الحكومية، واضطرابًا في حركة الملاحة الجوية والبحرية، وتعطيلًا لخدمات الحوسبة السحابية التي تديرها الشركات العملاقة في المنطقة. ولا يمكن قراءة هذه التهديدات بمعزل عن البُعد الجيوسياسي والأمني، ونظرا إلى أن أمن الاتصالات جزء لا يتجزأ من الأمن القومي للدول؛ إذ إنه في أوقات الأزمات، يعتمد التنسيق العسكري والاستخباراتي والدبلوماسي بين الدول وحلفائها على قنوات اتصال مشفرة وفائقة السرعة تمر عبر هذه الكابلات البحرية، ويمثل استهداف هذه البنية التحتية، سواء عبر عمليات تخريبية متعمدة من قِبل فاعلين من غير الدول، أو نتيجة الصراعات الإقليمية، سلاحًا حربيًا من الطراز الأول يستهدف كسر إرادة الدول وإحداث فوضى اجتماعية واقتصادية عارمة دون الحاجة لإطلاق رصاصة واحدة.
والطبيعة المعقدة لإصلاح هذه الكابلات تُضاعِف من حجم الخطر؛ فالأمر ليس بالبساطة التي يبدو عليها، حيث تتطلب عمليات الصيانة سفنًا متخصصة ونادرة عالميًا، وفرق عمل ذات كفاءة استثنائية تعمل في ظروف بحرية بالغة الخطورة والتعقيد. وفي منطقة توترات أمنية كمضيق هرمز والبحر الأحمر، قد ترفض شركات التأمين والسفن الدخول إلى مناطق النزاع لإصلاح الكابلات المتضررة، مما يعني أن الانقطاع الذي كان يستغرق إصلاحه أيامًا في السابق، قد يمتد اليوم لأسابيع أو أشهر، مما يفاقم المعاناة الإنسانية والاقتصادية ويجعل استعادة التوازن أمرًا بالغ الصعوبة.
أمام هذه المخاطر المحدقة، لم تعد استراتيجيات الدفاع التقليدية كافية لحماية هذه الثروة الرقمية المدفونة. وحماية كابلات الإنترنت في الخليج والبحر الأحمر تتطلب مقاربة دولية وإقليمية شاملة تتجاوز الحلول الأمنية المؤقتة إلى تفاهمات سياسية لقضايا المنطقة محل الخلاف. كما يتوجب على دول المنطقة الاستثمار بكثافة في بناء مسارات برية وبحرية بديلة ومتنوعة لضمان مرونة الشبكة، بحيث إذا تعطل مسار، نقلت البيانات تلقائيًا إلى مسار آخر دون أن يشعر المستخدم بالفارق. كما يتطلب الأمر تفعيل معاهدات دولية صارمة تجرم استهداف البنية التحتية الرقمية في النزاعات، وتعزيز الرقابة البحرية المشتركة باستخدام التكنولوجيا الحديثة والطائرات المسيرة لحماية حرم هذه الكابلات.
في الختام.. إنَّ كابلات الإنترنت القابعة في أعماق الخليج والبحر الأحمر هي حبال الوريد التي تربط عالمنا المعاصر، والمساس بها ليس مجرد حادث عابر، لكنه تهديد مباشر للاستقرار العالمي يضع الجميع في دائرة الخطر. إن حماية هذه الأعماق لم تعد ترفًا، وإنما ضرورة حتمية وصمام أمان لحماية مستقبلنا الرقمي المشترك من السقوط في ظلام العزلة والانقطاع.