تتقدم السعودية نحو مستقبل أصبحت فيه المعرفة جزءا من قوة الدولة، وبناء الإنسان أساسا لنهضتها. ففي ظل قيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وسمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، حفظهما الله، يحظى التعليم والبحث والابتكار بدعم يجسد مكانة الإنسان في المشروع الوطني. وقد وضعت رؤية السعودية 2030 الجامعات أمام مسؤولية تتجاوز إعداد الخريجين إلى الإسهام في بناء القدرات التي يحتاج إليها الوطن في تحولاته المقبلة. ومع ما تشهده جامعاتنا من تطور في إمكاناتها ومنجزاتها، يستحق هذا النمو أن يُقرأ في ضوء ما أحدثه في طبيعة التعليم الجامعي، وفي قدرة المؤسسة على أن تستمد قراراتها من المعرفة التي تنتجها.في 22 سبتمبر الماضي، أصدرت جامعة كورنيل الأمريكية تقريرا عن مستقبلها، أعدته لجنة من 18 أستاذا بعد الاستماع إلى أكثر من ستة آلاف مشارك، في تجربة جعلت مراجعة رسالة الجامعة ومستقبلها عملا علميا تشارك فيه خبرات متعددة. وفي 7 أكتوبر، أعلنت هيئة الأبحاث في إنجلترا نتائج الإصدار السادس من إطار تبادل المعرفة، الذي يرصد صور إسهام الجامعات في الاقتصاد والمجتمع. وتقدم التجربتان زاويتين متكاملتين للنظر في نضج الجامعة؛ إحداهما تتصل بكيفية مراجعة المؤسسة خياراتها، والأخرى بما تستطيع معرفته عن علاقتها بمحيطها. وفي الحالتين تتجاوز مساءلة الأداء حدود ما أنجزته الجامعة إلى الأساس الذي قامت عليه خياراتها، وما ترتب عليها خارج أسوارها.شهد التعليم الجامعي السعودي تطورا في برامجه وبحثه العلمي ومنظومات جودته. وهذه المنجزات أساس لمرحلة تتطلب نظرة أعمق إلى النجاح؛ فارتفاع المؤشرات يوضح التقدم نحو المستهدفات، لكنه لا يخبرنا وحده إن كانت تعبر عن الأولويات الأجدر، أو ما أحدثه بلوغها من تغيير في حياة الناس. فقد تنجح الجامعة في تحقيق ما خططت له، ويبقى السؤال عما إذا كانت قد اختارت ما يستحق تحقيقه.فالجامعة التي تمنح طلبتها شهادات تكون قد استوفت مسؤوليتها التنظيمية، إلا أن رسالتها العلمية تتجاوز إثبات ما تعلموه إلى تنمية قدرتهم على إنتاج المعرفة ونقدها. وفي زمن تتسارع فيه تطبيقات الذكاء الاصطناعي، لم تعد وفرة المعلومات أو جودة صياغتها دليلا كافيا على الفهم. فالطالب يحتاج إلى أن يتعلم كيف يفحص مصادر المعرفة، ويختبر ما تقوم عليه الأفكار من أدلة، ويميز بين ما ثبت علميا وما لا يزال موضع بحث. وتكتسب التجربة الجامعية قيمتها حين يصبح الطالب قادرا على بناء رأيه باستقلال، ومراجعته كلما استدعت المعرفة ذلك.وتواجه الجامعة هذا الامتحان في ممارساتها أيضا؛ فالقيادة التي تمنح النقد العلمي مكانته تجسد ما تسعى إلى ترسيخه لدى طلبتها من استقلال في التفكير واحترام للدليل. أما حين تقتصر المشاركة الأكاديمية على استكمال الإجراءات، فقد تحرم المؤسسة نفسها من خبرات تحتاج إليها. فحضور المتخصص في الهيكل التنظيمي لا يعني بالضرورة تأثير رأيه في التوجهات المتصلة باختصاصه.تبدأ قيمة الحوكمة الجامعية من كيفية تشكل القرارات ومكانة الخبرة العلمية في توجيهها. فقد يستوفي القرار متطلباته النظامية وينفذ وفق الخطة، دون أن يثبت ذلك سلامة الاختيار. والمجالس التي تراجع المقترحات وتعدلها في ضوء الأدلة تمنح الجامعة قدرة على إدراك ما قد يغيب عن الإدارة من موقعها. لذلك تقاس فاعلية المجلس بما تضيفه مداولاته إلى جودة القرارات، لا بعدد توصياته.وتبرز هذه المسؤولية في خريطة البرامج الأكاديمية؛ فاستحداث برنامج أو تطويره أو إيقافه يمس مستقبل الطلاب والفرص التعليمية والكفاءات التي تحتاج إليها المنطقة. وتستلزم سلامة الاختيار دراسة الاحتياجات، ومقارنة البدائل، والاستماع إلى أصحاب الاختصاص، وتقدير النتائج المحتملة. ولا تنتهي المسؤولية بالتنفيذ؛ فمتابعة الأثر ومراجعة الافتراضات حين تتغير الظروف من صميم الإدارة الرشيدة.وكفاءة الإنفاق ليست مجرد خفض للتكاليف، بل مسؤولية مؤسسية تحكمها ضوابط مالية وأكاديمية توازن بين الموارد والعوائد والآثار بعيدة المدى. فقد يبدو إغلاق تخصص أكاديمي قرارا موفرا في حسابات الحاضر، بينما يفضي، إن افتقر إلى مسوغات علمية ودراسات دقيقة، إلى هدر مالي ومعرفي أشد كلفة؛ بما يعطل الاستفادة من الكفاءات العلمية التي استثمر الوطن في تأهيلها، ويحد من فرص تعليمية وتنموية تحتاجها المنطقة. فالكفاءة الحقيقية لا تقاس بما تتوقف المؤسسة عن إنفاقه فحسب، بل بقيمة ما تحسن توظيفه، وما تصونه من قدرات علمية وفرص مستقبلية.تستثمر السعودية في جامعاتها إيمانا بأن مستقبل الوطن يبدأ من الإنسان الذي يتعلم، والمعرفة التي ينتجها، والفرص التي يفتحها للأجيال القادمة. والوفاء بهذا الاستثمار مسؤولية تتجاوز استيفاء المؤشرات إلى حسن توظيف الكفاءات، وصون الخبرات العلمية، ومراجعة القرارات في ضوء آثارها الأكاديمية والتنموية. فالمؤسسة التي تجعل المراجعة العلمية لقراراتها أصلا من أصول حوكمتها، تمنح إنجازاتها معنى أعمق، وتؤكد أن كفاءة إدارتها لا تنفصل عن قيمة رسالتها.أبلغ ما تمتحن به الجامعة نضجها ألا تكتفي بما تعرفه عن العالم، بل أن توجه أدوات المعرفة إلى قراراتها هي أيضا. وحين تعرض حصيلة أعوامها، يبقى سؤال يستحق أن يسبق الاحتفاء بالأرقام: ما الذي أصبح أفضل في حياة الإنسان والمجتمع بفضل حضور هذه الجامعة وأثرها؟