كنتُ جادّة في سهرات شبابي وكنت جادة بالقدر نفسه في سهرات أمومتي، وتحملت بشرتي نتيجة الاثنين.
ثم اقتربت الأربعينيات، واقتربت صديقة أمي، طنط ناهد من وجهي، لتسألني: متى كانت آخر مرة حقنتِ فيها البوتوكس؟
وحين أجبتها بأنني لم أفعل ذلك قط، أصابها الهلع.
"أبداً؟! يجب أن تعتني بنفسك. وجهك جميل جداً، وخسارة أن تتركيه هكذا. أقول هذا لأنني أخاف عليكِ"، قالت.
ولم أعرف وقتها أيهما الخسارة الحقيقية، أنني لم أحقن البوتوكس (ولن أفعل أبداً) أم أنني ابتلعت الرد القاتل الذي كان على وشك الخروج من شفتي المحددتين بعناية بقلم داكن تعلوهما طبقة من ملمع شفاه يمنحهما امتلاءً إضافياً دون تدخل طبّي.
طنط ناهد "تخاف عليّ"، وتفزع من احتمال أن تراني أتقدم في العمر. فالتقدم في العمر أصبح ظاهرة خارقة للطبيعة يجب محاربتها حتى آخر ميليجرام. فكيف أجرؤ على الظهور بهيئة عادية؟ ثم أذعر من يقترب مني هكذا؟
أنا لست ضد العناية بالبشرة ولا التجميل، بل أقدم بطاقاتي الائتمانية قرابين لكل ما هو رائج وجذاب ولامع. أشتري مستحضرات التجميل شهرياً، وألوّن شعري كل ثلاثة أشهر بلون يستطيع إضاءة غرفة معتمة، وأرتدي الكعب العالي والترتر في مقهى في الثامنة صباحاً، وأكره تلك العبارة العجيبة التي ترددها الموضة: Less is more، أي الأقل هو أكثر. كيف يعني ذلك؟
ولست ضد عمليات التجميل أيضاً. فلو كان أنفي يزعجني، لأصلحته فوراً. لست امرأة بلغت من الثقة بالنفس حد التصالح مع كل ما تراه في المرآة، ولو اعتقدت أن تغيير شيء في وجهي سيمنحني ثقة أكبر بنفسي، أو يرفع إنتاجيتي، أو يجعلني أكثر سعادة، لفعلته دون تردد.
لكن حقن وجهي لن يمنحني شيئاً، بهذه البساطة.
في عملي، لن يشد البوتوكس مفرداتي اللغوية والفيلر لن يضيف ثقلاً لغوياً لقصتي. وفي بيتي، لن يجعلني أماً أفضل، أما الإنجذاب الزوجي الأبدي، فقد أثبت الجميع أن البوتوكس فشل فشلاً ذريعاً في ضمانه، وإن كنت أعترف بأنني ربما فكرت في الحقن لو كانت الإبرة تأتي مصحوبة بشهادة ضمان لاستمرار الشرارة الزوجية.
فلمن أتشبث بالظهور أصغر سناً؟ لطنط ناهد؟ لا أعتقد.
لدي صديقات جميلات وكاملات يحقن البوتوكس، ويسخرن من إفراطي في شراء الحقائب الباهظة الثمن، ويعتقدن أنني ضحية مسكينة من ضحايا الموضة. وربما هن على حق، فكل منا تختار الطريقة التي تنفق بها أموالها على ما تظنه استثماراً في سعادتها.
وضد تحويل العمر إلى ضغط اجتماعي أيضاً، والتشبث به حتى آخر جرعة. أعرف جيداً أن هذا الإجراء التجميلي ليس لي، وربما يناسب أخريات، وأهنئ كل امرأة تجد في اختياراتها ما يرضيها عن نفسها. لكنني أتمنى أن تنبع تلك الاختيارات من رغبتها هي، لا من خوف طنط ناهد عليها، ولا من ذعر الآخرين من رؤية امرأة جميلة تتقدم في السن.
أعتقد أني محظوظة لأني عشت هذه الحياة بكل ما حملته من تجارب، وكونت خبرات وذكريات يفوق عددها سنوات عمري، بكثير.
سهرت لأسباب تستحق، وأخرى لا تستحق، وارتكبت حماقات لا أندم عليها، إلا بالقدر الذي يدفعني إلى روايتها لبناتي، سأرويها لاحقاً بنسخة مفلترة تخضع لرقابة أسرية، وبشرتي شاهدة على كل ذلك. فلماذا يضغط آخرون عليّ الآن كي أمحو آثار شهادتها؟
أفكر في لقائي المقبل مع طنط ناهد، وأميل إلى أن أطلب منها الابتعاد قليلاً عن وجهي.
وربما أكتفي بإرسال صورتي إليها في الهالوين، بعدما أغسل وجهي بصابونة تقليدية، وأخرج دون مساحيق تجميل تخفي آثار الماضي، فتفزع هي وبقية زميلاتها من الطنطات.
ففي الهالوين، نبذل وقتاً وجهداً لرسم تجاعيد وهالات سوداء، ونتنافس في الظهور بوجوه "شاحبة" توحي بأننا عدنا لتونا من زمن آخر، ثم نمحيها عقب الاحتفال بقطنة مبللة.
وما إن تظهر علامات العمر على وجه امرأة عادية، راضية، لم تطلب رأي أحد في مظهرها، حتى يصبح ذلك هو الرعب الحقيقي الذي يخفق له قلب طنط ناهد الصغير.
قررت أن أرتدي تجاعيدي بفخر هذا الهالوين، وأطالب بحصتي كاملة من الحلوى. لن أخشى رفضاً ولن أقبل مساومة. سأستعين بوجه لم يسلبه البوتوكس قدرته على إظهار الاستياء والهلع حين لا ينال ما يريد.
(تم تغيير اسم طنط ناهد تحت ضغط عائلي).