إنه أبو يوسف يعقوب بن إسحاق الكندي، الذي وُلد عام 801 ميلادية في الكوفة، وتلقى علومه الأولى فيها، ثم انتقل إلى عاصمة الخلافة العباسية، بغداد، ليكون واحدا من ألمع نجومها.
لم يكتف الكندي بنقل حكمة القدماء عبر ترجمة النصوص اليونانية والفارسية القديمة، بل واجه تحديا خاصا تمثل في نصوص مشفرة غامضة، فانطلق في رحلة فكرية شاقة لاختراق هذا الحاجز، مؤسسا بذلك مبادئ ستغيّر عالم التشفير إلى الأبد.
في خضم انشغاله بفك رموز النصوص المشفرة التي صادفها خلال ترجماته، ألّف الكندي مخطوطته الثورية "رسالة في استخراج المعاني". تُعد هذه الوثيقة التاريخية، التي نجت نسخة وحيدة منها عبر القرون لتُكتشف بمحض الصدفة في مكتبة السليمانية في إسطنبول، أول وثيقة معروفة في التاريخ تذكر وتصف منهجية منظمة لفك الشفرات تعتمد على التحليل الإحصائي للغة، وهي ما نعرفه اليوم بـ"تحليل الترددات".
لقد أدرك الكندي، بعبقرية فذة، أن الحروف في أي لغة طبيعية لا تظهر بشكل عشوائي، بل لها نمط إحصائي ثابت؛ فبعض الحروف يُستخدم بكثرة، بينما يقل استخدام أخرى. وقد استنتج أن هذا النمط سينعكس بطريقة متوارية في النص المشفر.
وصف الكندي في رسالته، بتفصيل منهجي مذهل، الخوارزميات الأساسية لفك التشفير، وقسّم الشفرات إلى أنواع رئيسية: أحادية الأبجدية ومتعددة الأبجدية. كان جوهر منهجيته يكمن في ملاحظة أن حروف الأبجدية العربية تظهر في النصوص العادية بترددات متفاوتة ومعروفة. لذا اقترح على من يريد فك شفرة ما أن يحصي الرمز الأكثر تكرارا في النص المشفر، ويستبدله بالحرف الأكثر شيوعا في اللغة العربية، وهو عادة الألف، ثم يتبع ذلك بالرمز الثاني الأكثر تكرارا ويقارنه بالحرف الثاني في قائمة التردد، كاللام أو الميم، وهكذا. لم يكن هذا مجرد تخمين، بل عملية استبدال منهجية تعتمد على الإحصائيات اللغوية.
لم يتوقف عقل الكندي التحليلي عند حدود الحروف المفردة، بل توسع ليطبق منهجية أوسع. أدرك الكندي أهمية تحليل احتمالات الكلمات والعبارات الشائعة. في النصوص العربية، مثلا، كان يعلم أن كثيرا من الرسائل تبدأ بالبسملة: "بسم الله الرحمن الرحيم". وجود مثل هذه العبارات الثابتة يقدم للباحث مفتاحا ثمينا، فهو يعرف مجموعة من الحروف ومواضعها مقدما. كما أشار إلى أن تحليل القوافي والأوزان الشعرية يمكن أن يكون أداة مساعدة عند محاولة فك تشفير القصائد، مبينا بذلك فهمه العميق لبنية اللغة ونمطيتها على مستويات متعددة.
كانت طريقة الكندي ثورية بكل معنى الكلمة، حيث مكّنت نظريا من كسر أي شفرة أحادية الاستبدال، وجعلت عملية فك الشفرات علما قائما على الاستدلال والتحليل الإحصائي، بدلا من الاعتماد على الحدس والتخمين العشوائي المحض. الأسس التي وضعها لم تكن مجرد حل لمشكلة وقتية، بل أصبحت حجر الزاوية في تطور علم التشفير وعلم تحليل الشفرات على مدى القرون التالية. لكي تصنع قفلا أقوى، عليك أولا أن تعرف كيف يُكسر القفل الأضعف. هكذا دفعت إسهامات الكندي إلى البحث عن طرق تشفير أكثر تعقيدا وصمودا أمام تحليل التردد، ما أغنى هذا الحقل العلمي برمته.
اللافت في هذه المنهجية التي وضعها هذا العالم الفذ قبل أكثر من ألف عام أنها لم تتحجر في كتب التاريخ، بل تجاوزت مجال الشفرات لتجد تطبيقات حيوية في عالمنا التقني الحديث. هي تُستخدم في معالجة الإشارات والاتصالات، حيث يساعد تحليل التردد في تصميم المرشحات التي تنقي الإشارات من الضوضاء. في عالم الصوتيات، هو الأساس لأنظمة الصوت عالية الدقة. وحتى في مجال الطب، نجد تحليل التردد حاسما في فحص إشارات تخطيط القلب الكهربائي للكشف عن الأنماط غير الطبيعية التي تشير إلى أمراض.
في عصر المعلوماتية، يُعد تحليل تردد الكلمات والحروف أساسا تقنيا للعديد من الأدوات، مثل كشف الانتحال الأدبي، وقياس تشابه النصوص، والتصنيف الآلي للمحتوى، وحتى في أنظمة الأمن للكشف عن الأنشطة غير الاعتيادية أو الاحتيالية.
إنجاز الكندي هذا، نتاج خلاق لتلك البيئة الحضارية الفريدة التي ازدهرت في بغداد في تلك الفترة الحضارية الزاهية، حيث شُجّع البحث الحر وتمازجت المعارف.
لم يسبق الكندي إلى هذه الفكرة أحد في العالم القديم بهذا الوضوح المنهجي. يرى مؤرخو العلوم في عمله تطبيقا رائدا ومبكرا للاستدلال الإحصائي قبل قرون طويلة من تبلوره الرسمي في أوروبا.
لقد نظر الكندي إلى اللغة بعين العالم الرياضي، فرأى النظام الكامن خلف ظاهرها العشوائي، واستخرج منه قانونا يمكن تطبيقه. بجدارة واستحقاق، يُلقب هذا العالم الموسوعي، الذي وافته المنية في بغداد عام 873 ميلادية بعد رحلة حافلة بالعطاء، بلقب "أبو تحليل الشفرات"، تقديرا لإسهامه المؤسس الذي لا يزال صوته يتردد في صلب تقنيات عصرنا الرقمي.