عادت أمجاد الملاكمة المكسيكية ساول «كانيلو» ألفاريز إلى الواجهة العالمية، حيث استحوذ على لقب المجلس العالمي للملاكمة للوزن فوق المتوسط، عقب انتصاره على الفرنسي كريستيان مبيلي بإجماع الآراء. وشهدت «المملكة أرينا» في العاصمة السعودية الرياض، فجر الأحد، نزالاً رئيسياً امتد لاثنتي عشرة جولة، تميزت بدايتها بتفوق فرنسي في بعض فترات النصف الأول، قبل أن يستعيد ألفاريز زمام الأمور بفعل خبرته الواسعة وسيطرته على الجولات الفاصلة، ليصعد مجدداً إلى منصة التتويج بعد مرور 13 شهراً على خسارة ألقابه أمام الأميركي تيرينس كروفورد.
وانتهت آمال مبيلي، الذي كان يحمل لقب المجلس العالمي المؤقت للوزن فوق المتوسط (أقل من 76.203 كيلوغرام)، في الحفاظ على حزامه، إذ لم يستطع مجاراة الخبرة التراكمية لألفاريز، الذي أدار مجريات اللقاء ببراعة وحسمه لصالحه عبر النقاط.
وسط حضور جماهيري كثيف، تقدمه المستشار تركي آل الشيخ، رئيس هيئة الترفيه والاتحاد السعودي للملاكمة، إلى جانب نخبة من نجوم كرة القدم والمسؤولين، أصدر الحكام الثلاثة قراراً بفوز ألفاريز بنتائج 115 مقابل 112، و116 مقابل 111، و117 مقابل 110. وبهذا الفوز، أصبح الملاكم المكسيكي، البالغ من العمر 36 عاماً، بطلاً للعالم في هذه الفئة الوزنية للمرة الثالثة، مستنداً في أدائه إلى دقة اللكمات المرتدة، والمراوغة الذكية داخل الحلبة، والقدرة على امتصاص الضغط الهجومي الذي اشتهر به خصمه الفرنسي.
ظهر ألفاريز متأثراً عاطفياً بعد إعلان النتيجة، إذ أعاد إلى حوزته أحد الأحزمة العالمية التي اعتاد جمعها خلال مسيرته التي تجاوزت عقدين، وتعثرت كلماته وهو يحاول التعبير عن مشاعره أمام فريقه الذي احتضنه للاحتفال بالإنجاز.
وصرح كانيلو قائلاً: «من الصعب جداً شرح هذا الشعور، من الصعب جداً وصفه. إنه أمر لا يصدق. أشعر وكأنه لقبي الأول. الآن، بعد 20 أو 21 عاماً من الاحتراف، وبعد 16 عاماً من فوزي بأول لقب عالمي، ها أنا أفوز باللقب مجدداً».
عكست هذه التصريحات الأهمية البالغة لهذا الانتصار في مرحلة متقدمة من مسيرته، خاصة بعد خسارة بطولة العالم الموحدة أمام كروفورد في لاس فيغاس قبل 13 شهراً. ودخل ألفاريز نزال الرياض بصفته متحدياً على اللقب للمرة الأولى منذ عام 2022، في تحدٍ وضعه أمام بطل أصغر سناً يتمتع بقوة بدنية هائلة وقدرة على توجيه كم هائل من اللكمات.
ووجه ألفاريز الشكر إلى طاقمه التدريبي، مكرساً التقدير لإيدي رينوسو وتشيبو رينوسو، اللذين ساهما في تشكيل شخصيته الرياضية، قائلاً: «أنا فخور جداً بفريقي. إيدي رينوسو وتشيبو رينوسو، اللذان صنعا مني الشخص الذي أنا عليه اليوم، وجعلاني البطل الذي أصبحت عليه. شكراً جزيلاً على كل شيء يا إيدي».
كما عبر عن امتنانه لعائلته في المكسيك، وفي لحظة خفيفة، سخر المحاور من تهديد زوجته بعدم العودة دون الحزام، ليرد ألفاريز بابتسامة: «لقد فزت بذلك اللقب!».
وعند سؤاله عما إذا كان سيعدل شيئاً في أدائه خلال الجولات الاثنتي عشرة، جاءت إجابته حاسمة ومقتضبة: «لا، لقد قدمت أداءً مثالياً».
انطلقت المواجهة بإيقاع مدروس، حيث دخل مبيلي الحلبة أولاً بصفته حامل اللقب، مرتدياً سروالاً أحمر وقميصاً أسود، بينما ظهر ألفاريز محاطاً بفريقه وبصحبة الفنان المكسيكي تيتو دبل بي، في دخول هادئ مقارنة بالاحتفالات الكبرى المعتادة قبل نزالاته المهمة.
وقبل بدء القتال، أقيمت مراسم عزف الأناشيد الوطنية للمملكة العربية السعودية وفرنسا والمكسيك، ثم أعطى الحكم هيكتور أفو التعليمات النهائية للملاكمين.
في الجولة الأولى، فرض ألفاريز حضوره في مركز الحلبة، مظهراً هدوءاً ودقة في اختيار ضرباته، مستفيداً من تحركاته الجانبية وموجهاً مجموعات سريعة من اللكمات، من بينها خطافية يسارية قوية، بينما احتاج مبيلي لبعض الوقت للتأقلم مع أجواء المواجهة.
أظهرت إحصاءات «كومبيوبوكس» تفوق المكسيكي في الدقة، حيث نجح في توجيه عشر لكمات من أصل 24 محاولة في الجولة الافتتاحية، مقابل سبع لكمات ناجحة للفرنسي من أصل 43 محاولة، مما يعكس فارق الدقة رغم تفوق خصمه في عدد المحاولات.
استعاد مبيلي إيقاعه في الجولة الثانية برفع معدل هجومه والوصول لخصمه بشكل أكبر، بينما اعتمد ألفاريز على الضربات المنفردة في اللحظات المناسبة، في جولة متقاربة مالت فيها الكفة قليلاً لصالح الفرنسي.
واصل مبيلي تحسنه في الجولة الثالثة، مستغلاً قدرته على تجميع اللكمات والضغط المستمر الذي دفع ألفاريز إلى الحبال أحياناً، لكن المكسيكي أظهر براعة في الخروج من الزوايا الضيقة وتجنب مناطق الخطر مع الحفاظ على دقة ضرباته.
استمرت المنافسة المتقاربة في الجولة الرابعة، حيث ركز الفرنسي على ضربات الجسم وزاد من كثافة هجومه، بينما بدا ألفاريز مرتاحاً دفاعياً لكنه لم يوجه عدداً كافياً من اللكمات الهجومية، معتمداً على المراوغة والبحث عن فرصة للضربة المرتدة المؤثرة.
أنهى مبيلي الجولة بقوة مستفيداً من سرعته، لكن المكسيكي حافظ على حضوره بضربات أدق، لتبدأ المواجهة في كشف الفجوة بين أسلوبين: أحدهما يعتمد على كثافة الهجوم والضغط، والآخر على الاقتصاد في الحركة واختيار اللكمة المناسبة.
في الجولة الخامسة، عاد مبيلي للمبادرة الهجومية، مبقياً ألفاريز تحت ضغط مجموعات متتالية من اللكمات، وتبادل الطرفان ضربات الجسم دون أن ينجح أي منهما في إحداث تغيير جذري في مجريات النزال.
بحلول الجولة السادسة، بدأ ألفاريز يفرض أسلوبه بوضوح، مقدماً أداءً متوازناً دفاعياً وهجومياً، مستفيداً من قدرته على القتال أثناء التراجع وتوجيه ضربات مرتدة دقيقة أوقفت زخم خصمه.
وصل النزال إلى منتصفه بتقارب كبير في المستوى، حيث منحت البطاقة غير الرسمية كلا الملاكمين 57 نقطة بعد ست جولات، مما يشير إلى التنافس الشديد الذي سبق التحول الحاسم في النصف الثاني.
جاءت الجولة السابعة لتعلن بداية التفوق الواضح للمكسيكي، الذي قدم أفضل فتراته، وبدأت لكماته المرتدة القوية تترك أثراً ملموساً على مبيلي.
نجح ألفاريز في توجيه مجموعة سريعة من الضربات قرب الحبال، اختتمها بلكمة صاعدة قوية بيده اليمنى أصابت منافسه مباشرة وأربكت توازنه، في واحدة من أبرز اللحظات الفنية في النزال.
شهدت الجولة الثامنة قراراً تحكيمياً مثيراً للجدل، حيث خصم الحكم هيكتور أفو نقطة من رصيد مبيلي بعد توجيهه لكمة إلى مؤخرة رأس ألفاريز، عقب احتجاجات من الملاكم المكسيكي.
كما حصل ألفاريز على توقف إضافي خلال الجولة، مما أربك إيقاع البطل الفرنسي وأثار تساؤلات حول تأثير القرارات التحكيمية على سير المواجهة التي كانت لا تزال متقاربة.
بعد خصم النقطة، اتسع الفارق في البطاقة غير الرسمية إلى 77 مقابل 74 لصالح ألفاريز مع نهاية الجولة الثامنة، مستفيداً من تفوقه الفني والجزاء المفروض على منافسه.
في الجولة التاسعة، تراجع الضغط الهجومي الذي اشتهر به مبيلي بشكل ملحوظ، وأصبح ألفاريز قادراً على فرض الإيقاع المناسب له، بعد اختفاء كثافة اللكمات التي منحت الفرنسي أفضلية في الجولات الأولى.
استغل المكسيكي هذا التراجع لجمع النقاط، بينما بدا مبيلي عاجزاً عن استعادة المبادرة أو فرض المواجهة البدنية اللازمة لقلب النتيجة.
قدم ألفاريز في الجولة العاشرة عرضاً فنياً اتسم بالثقة والهدوء، مستخدماً اللكمة الأمامية بدقة وموجهاً ضربات مرتدة محسوبة، مع تحركات قصيرة وفعالة أبعدته عن مدى لكمات خصمه.
ظهرت خبرة المكسيكي بوضوح في إدارة المسافات والتحكم بمسار النزال، بعد نجاحه في قراءة تحركات مبيلي وتوقع هجماته، ليدخل الجولتين الأخيرتين متقدماً بفارق مريح.
في الجولة الحادية عشرة، واصل ألفاريز سيطرته، بينما عجز الفرنسي عن إيجاد حلول فنية تعيد إليه التفوق.
علق المدرب الأميركي ستيفن «بريدمان» إدواردز على أداء مبيلي قائلاً: «مبيلي محظوظ لأن هذا ليس كانيلو الذي شاهدناه بين 2018 و2021، وإلا لكان النزال انتهى بإيقافه بالفعل».
وأضاف إدواردز أن الملاكم الفرنسي لم يقدم أداءً جيداً، معتبراً أنه بالغ في التفكير داخل الحلبة على حساب تنفيذ أسلوبه الهجومي المعتاد.
مع انطلاق الجولة الثانية عشرة والأخيرة، كان مبيلي بحاجة إلى ضربة قاضية لإنقاذ لقبه، لكنه لم يظهر الاندفاع المتوقع من ملاكم بنى سمعته على الضغط المتواصل ومهاجمة منافسيه دون توقف.
في المقابل، بدا ألفاريز مستعداً لاستقبال هجمات منافسه والرد عليها، بل ترك له مساحات للتقدم، إلا أن الفرنسي ظل متردداً في الدخول في تبادلات قوية، لتنتهي المواجهة دون تحول في ميزان السيطرة.
منحت البطاقة غير الرسمية ألفاريز الفوز بنتيجة 117 مقابل 110، وهي النتيجة نفسها التي سجلها أحد الحكام الرسميين، فيما جاءت البطاقتان الأخريان بفارق أقل، لكنهما أكدتا جميعاً أحقية المكسيكي بالتتويج.
وبذلك أكمل ألفاريز عودته إلى منصات التتويج العالمية من الرياض، بعدما نجح في تجاوز منافس أصغر سناً، واستعاد حزام المجلس العالمي للملاكمة للوزن فوق المتوسط، مضيفاً فصلاً جديداً إلى مسيرة امتدت لأكثر من عشرين عاماً وشهدت تتويجه بألقاب عالمية في أربع فئات وزنية مختلفة.