القاهرة ـ «القدس العربي»: الفنان مصطفى الرزاز ــ مواليد العام 1942 ــ من أصحاب التجربة الفنية المؤثرة في التشكيل المصري على المستوى الفني والبحثي والأكاديمي، إضافة إلى خلق حالة فنية مختلفة ومستمرة، تتأكد بشكل أو بآخر طيلة مسيرته الفنية، التي حاول من خلالها التأكيد على ملمحين أساسيين هما، كيفية التحاور مع الأسطورة، وفي الوقت نفسه في شكل تقني به الكثير من الحداثة. لم يرث الرزاز الأسطورة كما صورها الرعيل الأول من التشكيليين المصريين، والتي كانت في أغلبها ترجمة مباشرة عن الفن الأوروبي بفضل المعلمين الأوروبيين، أو من جهة أخرى مَن حاولوا دائماً ــ ولم تزل هذه النظرة مُمتدة حتى الأجيال الجديدة ــ الخلط ما بين الأسطورة والفولكلور بعين غربية، أو دعائية بمعنى أدق، سواء لتحقيق المكاسب والشهرة، أو إخفاء ركاكة أسلوب وتهافت موهبة. من هنا تبدو قيمة مصطفى الرزاز، الذي دائماً في حالة من جمع الثنائيات، بداية من الخامة حيث التصوير رسماً وطباعة والدمج بينهما، أو فن النحت. ثم الأسلوب الذي يتراوح ما بين التعبيري والسريالي بمعناه المنضبط، بدون الإبهار الفارغ الذي يتلاشى بعد وقت. هنا قراءة في معرضه الأخير الذي أقيم مؤخراً في غاليري «الزمالك» للفن في القاهرة.
أهم ما يميز فن الرزاز هو اختلاق عوالم جديدة تبدو دهشتها في المعرفة المسبقة ببعض عناصرها، إلا أن صياغتها وفق فكرة وتقنية جديدة هي ما يثير الدهشة، بمعنى أن يصبح العادي مدهشاً للمُتلقي. ويستند الفنان في هذا إلى إرث كبير من الأساطير والحالات الفنية المختلفة التي أتت بها الأرض المصرية، سواء حضارة مصر القديمة، حيث الرسوخ والمهابة والبهجة اللونية، ثم الحضارة القبطية وموروثاتها المتأصلة، وأخيراً الإسلامية وتراثها الممتد في القاهرة الإسلامية، حيث التكرار والحركة في الشكل. إضافة إلى رموز يستحضرها الفنان من الوعي الشعبي المصري، كالسمكة وما تمثله وفق هذا الوعي، أو الحصان وهو الرمز الحديث نسبياً، وصولاً إلى علاقة الرجل بالمرأة، حيث تتصدر الأخيرة دائماً المشهد، وهو ما يُعيد إلى الأذهان مكانتها في الحضارة المصرية، وفق أسطورة إيزيس الشهيرة، ودورها في حياة المصريين. هذا الاستحضار بطبعه لم يكن مجانياً في لوحات الرجل، ولا دعائياً وفق موجة غربية، بل تأصيلاً للوجود من خلال المرأة ودورها في الحياة، لتصبح رمزاً للأرض وما عليها من مخلوقات أخرى، ترعاها وتحافظ عليها، بل ومصدر حماية لهذه المخلوقات أو الكائنات.
ووفقاً لهذه الأمومة المفرطة أو الإغواء الدائم، تتخلق حالة من التناغم بين هذه المخلوقات، حيث تتداخل التكوينات والشخوص، ويمكن من خلال التجربة الطويلة والمُجاهدة أن تتحول هذه الكائنات كيفما تشاء وكائنات أخرى، فلا فارق بين امرأة وطائر، أو رجل وحصان، أو عصفور وسمكة. ومن هذه التكوينات الغريبة تتجلى أشكال من السريالية التي يمكن أن تتماس مع تراثنا الثقافي في شكله الصوفي، حيث الحرية والقدرة على التحوّل، هنا تتجسد هذه الحالة من خلال اللوحات، بعد أن صاغها أقطابها من خلال الكلمات شعراً ونثراً.
تتخلق الحركة في لوحات الرزاز وأعماله النحتية وفق قواعد فنية صارمة ومدروسة بعناية، فقد يوحي الشكل نفسه بالحركة، كالمجسم المعدني لكل من الرجل والمرأة، حيث يُمسك بكل منهما عصفوراً في يده وينظر إليه في تطلع وفرح، أو هكذا حط العصفور واستشعر الأمان، فما بين هذه اليد التي حط عليها واليد الحرة الأخرى تبدو الحركة الدائرية وإن لم تكتمل الدائرة فعلياً، لكن الفراغ يقوم بالمهمة. وفي مجسم آخر تمد المرأة ذراعيها عن آخرهما، حيث العصفور والوردة في كل منهما، وهي أشبه بالشخصيات الجدارية على جدران معابد مصر القديمة. حتى مجسم الفارس العربي فوق حصانه، حيث اتجاهات يد الفارس وهي مُمْسكة بالسيف ــ السيف هنا مجرّد يمكن تخيله ــ وكذلك اليد الفارغة ووجه الحصان، فرغم الخطوط الحادة للتصميم، وهي لا توحي بالحركة في ذاتها، إلا وأنه من خلال المادة والفراغ الذي يحيطها، والذي يصبح الشكل بهذه الطريقة كأنه مزيجاً من الأبيض والأسود، من هذا التناقض تتولد الحركة، وكأن الحصان يعدو والفارس يُشهر سيفه! أما في اللوحات فتبدو الحركة من خلال تداخل الشخصيات وتحولاتها التي يشهدها المتلقي، إضافة إلى الخطوط المنحنية، أو حركة الجسد وخلفية اللوحة، هناك دوماً حركة وفعل تقوم به الشخصية، فلا توجد شخصية في حالة ثبات أو تأمل، فهي داخل حالة من الفعل، وعلى المتلقي الكشف عنها، أو تخيّل حالتها. كذلك تبدو التدرجات اللونية وقدرتها على خلق حالة من الحركة، وهي في معظمها ألوان من الطبيعة المصرية، فالعين تعرف جيداً هذه الألوان، فلا يوجد لون مستغرب أو بعيد عن المخيلة البصرية، لذا فهو قادر بدوره على خلق إحالات دائمة لأشياء أخرى، ربما تعود إلى أصل اللون، أو الشيء الذي يدل عليه، وهو صورة أخرى من التحولات التي يقصدها الفنان، ولكن هنا تتم من خلال وعي المُتلقي.
وحتى لا ينفصل الفن عن المجتمع، ولا يقتصر على كونه شطحاً في فراغ، يؤول الرزاز رمزاً من رموزه، كيف رآه وكيف استخدمه، وكيف عبّر من خلاله عما يحيطه من أحداث. وهنا يكون الحديث عن «العصفور الأخضر» الذي يظهر في الكثير من أعماله، وإن اختفى في بعضها أحياناً، إلا أنه يُعاود الظهور مرّة أخرى. ويقول عنه الفنان… «خلال مشاركتي في حرب الاستنزاف، وجدتُ نفسي وقتها أرسم عصفوراً أخضر عملاقاً وسط الصحراء وبعدها حدث نصر أكتوبر المجيد، ثم عدت ورسمته قبل ثورة 25 يناير، ثم قدمته في معرض مستقل في 2013 للاحتفاء بشباب التحرير الأبطال، وهذا يجعلني أشعر بأن عودته بين لوحاتي مؤشراً لحدوث شيء مهم، فأنا أعتبر العصفور تميمة الأمل الأسطورية».