ترددتُ قبل أن أكتب عن هذه القضية، وتساءلت إن كانت تستحق أن أطرحها للنقاش، أم أنها مجرد تصرفات فردية لا يجوز تعميمها على الجميع. لكن مواقف عايشتها بنفسي، وأخرى سمعتها من بعض الأصدقاء، دفعتني إلى الكتابة عنها، خاصة أنها تتصل بعلاقات نحرص جميعًا على بقائها جميلة، بعيدًا عن العتب وسوء الفهم.
لا شك أن الرحلات الجماعية بين الإخوة والأصدقاء والزملاء من أجمل الأوقات التي يعيشها الإنسان، فهي فرصة للابتعاد عن ضغوط العمل ومشاغل الحياة، وتجديد النشاط، وتبادل الأحاديث والذكريات الجميلة. وكم من رحلة بقيت حاضرة في ذاكرتنا، ليس لجمال المكان الذي زرناه، وإنما لجمال الرفقة التي شاركتنا تلك اللحظات.
ولكن هناك جانبًا قد يغيب عن بعض المشاركين في هذه الرحلات، وهو أنَّ التعاون لا ينبغي أن يقتصر على تقاسم مصروفات الطعام والشراب والوقود والإقامة، بل يمتد إلى مراعاة صاحب المركبة الذي يضعها تحت تصرف الجميع، ويتحمل مسؤولية نقلهم طوال الرحلة؛ ففي كثير من الأحيان، يتفق الأصدقاء على جمع مبلغ معين من كل مشارك لتغطية المصروفات، وهذا أمر جميل يعكس روح التعاون. لكن ماذا عن صاحب المركبة؟ هل فكرنا فيما يتحمله من أعباء إضافية قد لا تظهر في حسابات الرحلة؟ فهناك تكاليف الصيانة والفحوصات التي قد تحتاج إليها المركبة قبل السفر وبعده، فضلًا عن استهلاك الإطارات والزيوت، والتنظيف والغسيل، وربما بعض الأعطال أو الأضرار الناتجة عن استخدامها لمسافات طويلة.
وهناك مسألة أخرى لا تقل أهمية، وهي المخالفات المرورية التي قد تُسجل على المركبة أثناء الرحلة، سواء بسبب تجاوز السرعة أو غيرها من المخالفات. فمن غير المنصف أن يتحمل صاحب المركبة وحده تبعات أخطاء يرتكبها أحد المشاركين ممن يتولون القيادة، أو أن تُترك هذه المسألة دون اتفاق واضح.
ولا تتوقف الأعباء عند الجانب المادي، فهناك الجهد الذي يبذله صاحب المركبة عندما يتولى القيادة لساعات طويلة، بينما يستمتع بقية الرفاق بالأحاديث أو الراحة والنوم. ومن الإنصاف أن نقدر هذا الجهد، وأن نبادر إلى مساعدته وإراحته متى أمكن ذلك.
وقد يقول قائل إن صاحب المركبة هو من عرض استخدامها برغبته، ولم يجبره أحد على ذلك، وهذا صحيح، لكن هل تعني مبادرته الكريمة أن نتركه يتحمل جميع الأعباء؟ وهل ينبغي أن يطلب منَّا المشاركة حتى نشعر بمسؤوليتنا تجاهه؟ فقد يكون كريم النفس، لا يحب الحديث عن المصروفات، ولا يرغب في إحراج رفاقه، لكن ذلك لا يعني أن نغفل عن تقدير ما يقدمه. فليس كل من يسكت عن حقه لا يحتاج إلى من يُراعيه.
ولست هنا أدعو إلى تحويل الرحلات بين الأصدقاء إلى حسابات مالية دقيقة، أو أن يحاسب بعضنا بعضًا على كل ريال يُصرف، وإنما أدعو إلى ثقافة المبادرة والشعور بالمسؤولية. ويمكن الاتفاق مسبقًا على آلية عادلة لتوزيع المصروفات، وتخصيص مبلغ للطوارئ، والمشاركة في تنظيف المركبة بعد العودة، ومراعاة ما قد يترتب على استخدامها من تكاليف إضافية.
وللإنصاف، فإنَّ هذه الملاحظات لا تنطبق على الجميع، فهناك مجموعات من الأصدقاء تنظم رحلاتها بطريقة جميلة، من خلال إنشاء صندوق مشترك يساهم فيه الأعضاء على مدار العام، ليتحمل مصروفات الرحلات، وهناك من يتناوبون على استخدام مركباتهم، حتى لا تبقى المسؤولية على شخص واحد. وهي ممارسات تعكس الوعي والتعاون، وتسهم في استمرار هذه اللقاءات بروح من المحبة والتقدير.
وأعتقد أن المشكلة ليست دائمًا في حجم المصروفات، وإنما في غياب الشعور بالآخرين. فقد تكون المبالغ بسيطة، لكن تراكم المواقف قد يترك في النفوس عتبًا لا يُقال، وربما يدفع أحد الأصدقاء إلى الاعتذار عن الرحلات القادمة، لا لعدم رغبته في الرفقة، وإنما لشعوره بأن الآخرين لا يقدرون ما يتحمله.
إن أجمل ما نعود به من رحلاتنا ليس الصور التي نلتقطها، ولا الأماكن التي نزورها، وإنما تلك المودة التي تزداد بيننا، والذكريات التي تجعلنا نتطلع إلى رحلة أخرى مع الرفاق أنفسهم. وما أجمل أن يعود الجميع سعداء، دون أن يشعر أحدهم بأنه تحمل وحده أعباء استمتاع الآخرين.
فالرفقة الجميلة لا تُقاس بما نتقاسمه من مصروفات فحسب، بل بما نحمله لبعضنا من تقدير ومراعاة، وأجمل الرحلات تلك التي نعود منها أصدقاء تجمعنا المحبة، لا حسابات تفرقنا.