تحتضن ألمانيا منذ بداية شهر أكتوبر، فعالية ثقافية كبرى مكرسة للحداثة الكتالونية، وذلك في قاعة الفنون (Kunsthalle) بمدينة ميونيخ. ويحمل هذا الحدث عنوان "برشلونة الحديثة: من غاودي إلى بيكاسو"، ليمثل أول معرض يُقام في الأراضي الألمانية يتناول هذه المرحلة التاريخية والثقافية بشكل خاص.
يأتي هذا المعرض في إطار سعي لتقديم منظور جديد لتلك الفترة التي سيطرت عليها "الحداثة" (Modernism)، وهي تيار ثقافي ظهر بشكل متزامن عبر شتى الفنون، شاملاً العمارة، والرسم، والتصميم، والموسيقى، والأدب.
وتتجذر هذه الظواهر الفنية في سياق اجتماعي وتاريخي تميز بالتحولات العميقة والتوسع الصناعي. وفي خضم هذه الظروف، ارتقت مدينة برشلونة لتصبح من أبرز العواصم الثقافية في أوروبا الحديثة، خلال الفترة الزمنية التي امتدت من عام 1880 حتى عام 1914.
لعبت الأزمة التي مرت بها إسبانيا بعد خسارة آخر مستعمراتها عام 1898 دوراً محورياً في تعزيز الزخم الذي اكتسبته النزعة الوطنية الكتالونية؛ إذ تذبذبت هذه النزعة بين أقطاب التقاليد والحداثة، مستخدمةً اللغة الجمالية الخاصة بالحداثة (المودرنيزم) كوسيلة للتعبير.
تجلت مكانة برشلونة في عام 1900 كمركز صناعي محوري في شبه الجزيرة الأيبيرية، حيث شهدت تحولات جعلتها مدينة عصرية بامتياز. وقد تسارع إيقاع هذا التحول بشكل ملحوظ، خاصة بعد إزالة الأسوار التي كانت تحيط بالمدينة، وتوسع حي (Eixample) الجديد بشوارعه وجاداته الواسعة.
في هذا المناخ، برزت طرازات جديدة من المباني السكنية، بفضل إسهامات معماريين بارزين، من بينهم غاودي، ودومينيك إي مونتانير، وبويغ إي كادافالك، وغيرهم من الأسماء المؤثرة.
يعمل معرض "برشلونة الحديثة" (Barcelona Moderna) على إعادة تأويل هذه الحقبة من خلال عرض مئة وستين قطعة فنية، تتنوع بين اللوحات، والرسومات، والمنحوتات، وقطع الأثاث، والنماذج المعمارية.
تتوزع هذه الأعمال الفنية بين مقتنيات المتحف الوطني للفنون في كتالونيا (MNAC)، الذي يُعد شريكاً أساسياً في تنظيم المعرض، بالإضافة إلى قطع مستعارة من "سيركل ديل ليسيو" (Cercle del Liceu)، ومجموعة "كارمن تيسن"، ومجموعة "كاساكوبيرتا مارسانس"، ومتحف الملكة صوفيا الوطني للفنون (Museo Nacional Centro de Arte Reina Sofía)، ومتحف الفنون الجميلة في أستورياس (بمدينة أوفييدو)، ومجموعة مؤسسة "لا كايكسا" (”la Caixa”)، ومتحف "كاو فيرات" في مدينة سيتجيس.
يضم المعرض أسماء لفنانين ومبدعين يتمتعون بسمعة عالمية واسعة، على غرار أنطوني غاودي وبابلو بيكاسو.
يبدأ المسار المعروض باستعراض التطورات العمرانية التي شهدتها مدينة برشلونة، مع التركيز على مفهوم "العمل الفني المتكامل" كما تم تطبيقه في مجالي العمارة والتصميم. كما يستعرض هذا المسار مساحات بارزة من الحقبة الحداثية،
ويتناول المعرض أيضاً التوترات الاجتماعية التي سادت تلك الفترة، وهو ما يتضح بوضوح في إبداعات كل من كاساس ونونيل. ومن أبرز المحطات التي يسلط الضوء عليها، فترات إقامة فنانين مثل روسينيول وكاساس في باريس، حيث تمكنوا من تجسيد أجواء الحياة البوهيمية في العاصمة الفرنسية.
ويخصص المعرض مساحة مهمة لـ "كاو فيرات" (Cau Ferrat) في مدينة سيتجيس، الذي كان يمثل نقطة التقى رئيسية ومركزاً لنشر الأفكار الحداثية، فضلاً عن إبراز البحث عن أماكن للاعتزال والهدوء، كما كانت عليه جزيرة مايوركا في ذلك الوقت، وهو ما يظهر في لوحات روسينيول ومير.
كما يحضر في المعرض الاستخدام المكثف للألوان لدى أنغلادا-كاماراسا، إلى جانب استعراض المراحل الأولى من المسيرة الفنية لبابلو بيكاسو.