أطلقت هيئة التخطيط والإحصاء مسحاً للقوى العاملة في مختلف المحافظات السورية، بالتعاون مع منظمة العمل الدولية والاتحاد الأوروبي، بهدف توفير بيانات عن واقع سوق العمل وتحديد حجم البطالة وتوزع العاملين بحسب القطاعات والمناطق، بهدف وضع سياسات اقتصادية وتشغيلية تستجيب للاحتياجات الفعلية.
ويأتي المسح الذي استمر لمدة 45 يوماً، في ظل صعوبات متزايدة يواجهها السوريون في الحصول على عمل، نتيجة تدني الأجور وارتفاع تكاليف المعيشة، واشتراط الخبرة، إلى جانب تراجع النشاط الصناعي والزراعي ومحدودية فرص العمل المناسبة للخريجين.
تفاوت بين المحافظات
تواجه دمشق فجوة بين أعداد الباحثين عن عمل والوظائف المتاحة، رغم توافر فرص أكثر نسبياً مقارنة بمحافظات أخرى، في حين تعاني حلب من تراجع النشاط الصناعي وانخفاض إنتاجية عدد من المصانع، وسط منافسة المنتجات المستوردة وارتفاع تكاليف المواد الأولية، وفقا لشهادات عمال وباحثين عن عمل وأصحاب مهن.
وفي اللاذقية، ترتبط فرص العمل بدرجة كبيرة بالمواسم السياحية والزراعية، ما يؤدي إلى ارتفاع البطالة خلال الشتاء.
أما في دير الزور، فتحدّ أضرار البنية الاقتصادية وتراجع النشاط الزراعي وغياب المنشآت الصناعية من قدرة المحافظة على توفير فرص عمل، رغم وجود نشاط محدود في مهن البناء والصيانة مع عودة بعض السكان لترميم منازلهم.
وتبرز الصناعة والزراعة والسياحة وإعادة الإعمار بوصفها قطاعات تحتاج إلى تقييم احتياجاتها من العمالة، مع مراعاة طبيعة كل محافظة والمهارات المتوافرة فيها.
المسح لا يوفر وظائف مباشرة
قال الخبير الاقتصادي علي محمد، في حديث لتلفزيون سوريا، إن أهمية المسح تكمن في بناء قاعدة بيانات دقيقة عن السكان في سن العمل، والعاملين في القطاعين الرسمي وغير الرسمي، والباحثين عن عمل، وتوزعهم بحسب العمر والجنس والقطاعات الاقتصادية.
وأشار إلى تفاوت التقديرات المتداولة بشأن البطالة في سوريا، مع ارتفاعها بين الشباب، مؤكداً أن غياب البيانات الحديثة يجعل من الصعب تحديد النسب الفعلية بدقة.
ووفقا لمحمد فإن تقارير أجنبية تحدثت عن أن نسبة البطالة في سوريا سجلت 24% في عام 2024، لكن لا يمكن الاعتماد عليها باعتبارها المصدر النهائي، لافتا إلى أن تقارير أخرى تحدثت عن بطالة كلية تعادل نحو 13.6% في عام 2025.
وأضاف الخبير الاقتصادي، أن البطالة لدى الفئة الشابة بين 15 و24 أو 25 عاماً تصل، بحسب بعض هذه التقديرات، إلى نحو 33 أو 34%، مشددا على أن كل هذه التقارير لا يمكن اعتبارها مرجعاً نهائياً، ولذلك تأتي أهمية المسح الجديد.
وأكّد محمد على أن النمو الاقتصادي لا يعني بالضرورة زيادة فرص العمل بالمعدل نفسه، إذ تختلف قدرة القطاعات على استيعاب العمالة. لذلك ينبغي توجيه الاستثمارات نحو القطاعات الأكثر قدرة على التشغيل، مع تطوير التدريب المهني والتقني وتقليص الفجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل.
ولفت إلى أهمية القطاع الزراعي في توفير فرص العمل وتعزيز الأمن الغذائي، إلى جانب دعم الصناعة وإعادة الإعمار والمشاريع المرتبطة بالبنية التحتية، ودراسة العمل المؤقت ومشاركة النساء في سوق العمل.
ومن المنتظر أن تساعد نتائج المسح الجهات المعنية على وضع سياسات تشغيل واستثمار أكثر دقة، لكن المسح بحد ذاته لا يوفر وظائف مباشرة؛ إذ تبقى الاستفادة منه مرتبطة بتحويل نتائجه إلى مشاريع فعلية، توفر عملاً مستقراً وأجوراً تتناسب مع تكاليف المعيشة.