لا تكفي الكفاءة والشهادات العلمية، أحيانا، لضمان المساواة في سوق العمل بفرنسا، فقد يتحول الاسم أو المظهر أو الأصل العرقي إلى عامل يحدد موقع الفرد داخل المؤسسة، ويؤثر في فرص توظيفه وترقيه، بل ويدفعه إلى إخفاء جانب من هويته حتى يحظى بالقبول.
هذه المفارقة تسلط صحيفة ميديا بارت الفرنسية الضوء عليها في تحقيق لكاتبتها كاميليا وعيصة، بعنوان: "كان عليّ أن أمحو كوني عربيا"، يرصد تجارب أشخاص من أصول عربية وغير بيضاء واجهوا التمييز والصور النمطية في بيئة العمل الفرنسية، حيث لا تتوقف المعاناة عند صعوبة الحصول على وظيفة، بل تمتد إلى طريقة التعامل معهم وتقييم قدراتهم وتحديد المسارات المهنية المتاحة أمامهم.
تبدأ بعض التجارب المؤلمة مع أول احتكاك بالعالم المهني. يستعيد سليم، وهو طالب يبلغ 21 عاما ويتابع دراسته في مجال المعلوماتية، واقعة تعرض لها خلال تدريب مهني في أحد الفنادق الفاخرة بباريس.
فعلى الرغم من معرفته السابقة بفريق العمل، لم يسلم من تعليق عنصري أطلقه أحد المسؤولين، حين قال له إن رؤية العرب في مثل هذه الوظائف أمر نادر، وإنهم يوجدون عادة في قسم غسل الأطباق.
يقول سليم: "في 19 أكتوبر 2025، وهو اليوم الذي أصبحت فيه عربيا"، لم يكن يقصد أنه اكتشف أصوله، بل اللحظة التي أدرك فيها أن الآخرين باتوا ينظرون إليه من خلال ذلك الأصل، ويختزلون حضوره وكفاءته في صورة نمطية مسبقة.
ويضيف أنه بدأ يتساءل عن مكانه في عالم الرفاهية، بعدما فهم أن بعض الأشخاص لا يرونه إلا من خلال أصوله المغربية.
ويختصر شعوره بالاستبعاد بقوله: "أدركت أننا، بالنسبة إلى البعض، لسنا سوى فرنسيين على الورق"، ولا تقتصر هذه التجارب على التعليقات الجارحة، بل تظهر أيضا في فرص التوظيف نفسها، وفقا للتحقيق.
ويستعيد أيوب نوح، وهو إطار في مجال المعلوماتية بباريس، مقابلة توظيف أجراها عام 2018، لاحظ بعدها أن معظم الذين تلقوا دعوات لمواصلة إجراءات التوظيف لم تكن أسماؤهم توحي بأصول مغاربية. وتكشف هذه الشهادة كيف يمكن للاسم، حتى قبل اختبار الكفاءة، أن يصبح مدخلا للتمييز.
وبحسب الباحثة في علم الاجتماع آن زو-ثلامي، التي تدرس آليات التصنيف العرقي داخل الشركات الكبرى، فإن ما يحدث يتجاوز الوقائع الفردية ليعكس عملية أوسع، يُنسب فيها الأشخاص إلى أصل عرقي محدد، ثم تُبنى على هذا التصنيف توقعات بشأن مكانتهم الاجتماعية وقدراتهم وسلوكهم.
وتوضح الباحثة أن "الإسناد العرقي متغير مهم ينبغي أخذه في الاعتبار لوصف تجربة الشخص مع العالم"، مشيرة إلى أن هذه العملية قد تبدأ منذ التقدم إلى الوظيفة، لكنها تستمر داخل المؤسسة من خلال الأجواء العنصرية والصعوبات التي تواجه الموظفين غير البيض في التقدم المهني.
ويقدم أيوب مثالا على ذلك من تجربة داخل شركة معلوماتية مرموقة، حيث كان هو وأحد زملائه من أصول غير بيضاء يؤديان دورا أساسيا في عمل الفريق، لكن زميلا أبيض حصل على ترقية بعد أشهر قليلة من التحاقه بالمؤسسة.
وفي المقابل، انتظر زميل مغاربي آخر 3 سنوات للحصول على الترقية نفسها التي نالها ذلك الموظف خلال 7 أشهر.
وتعزز هذه الشهادات ما أورده تقرير مشترك لمدافعين عن الحقوق في فرنسا ومنظمة العمل الدولية، بشأن استمرار التمييز في مجال العمل.
فخلال الفترة الممتدة بين عامي 2016 و2024، كان الأشخاص الذين يُنظر إليهم على أنهم سود أو عرب أو من أصول مغاربية أكثر عرضة بمقدار 2.8 مرة، للإبلاغ عن تعرضهم للتمييز أثناء البحث عن عمل، مقارنة بالأشخاص الذين يُنظر إليهم على أنهم بيض، بعدما كانت النسبة 2.2 مرة عام 2016.
ولا يقتصر التمييز على فرص التوظيف والترقي، بل يمتد إلى فرض أدوار وصور نمطية على الموظفين بحسب أصولهم. ويروي ناصر، وهو صحفي تلفزيوني يبلغ 28 عاما، أن رئيس تحرير خاطبه خلال أول عقد عمل مؤقت قائلا: "لديك ملامح عربية، فاستغلها"، مما يشي أحيانا بنوع من الاستهزاء والسخرية.
ومنذ ذلك الحين، واجه تعليقات على لهجته المفترضة ومظهره، إلى جانب الخلط المتكرر بينه وبين صحفيين آخرين من أصول مغاربية. كما كان يُكلَّف مرارًا بإعداد تقارير في الأحياء التي تصفها المؤسسة الإعلامية بأنها "حساسة"، على أساس أن وجوده هناك أكثر ملاءمة.
ويلخص التناقض الذي عاشه بقوله إن المؤسسة كانت تطالبه بجعل مظهره "محايدا"، بينما تستخدم في الوقت نفسه الصورة التي تمثلها أصوله المفترضة لإسناد موضوعات معينة إليه.
وتكشف تجربة أنيسة جانبا آخر من هذه المعاناة، إذ تقول إنها، رغم نشأتها في بيئة ميسورة بالجزائر، وجدت نفسها في فرنسا محاطة بتصورات تختزل العرب في الانتماء إلى الطبقات الشعبية والأحياء المهمشة.
كما تعرضت لتعليقات من مديرتها بشأن شعرها الطبيعي، قائلة: " بل كان يُطلب مني أحيانا أن أتحدث باللغة العربية أثناء استراحة الغداء لإضحاكهم".
وتضيف: "كنت أعرف أنني عربية، لكنني في الجزائر كنت عربية بين العرب"، قبل أن تؤكد أنها لم تشعر بأنها عربية في حياتها بقدر ما شعرت بذلك في تلك البيئة المهنية.
وتوضح هذه الشهادات كيف يمكن للأصل أن يتحول إلى قالب جاهز يتم فرضه على الفرد، بغض النظر عن تكوينه أو طبقته الاجتماعية أو شخصيته، بحيث يصبح مطالبا بالتعامل مع تصورات الآخرين عنه، إلى جانب أداء واجباته المهنية المعتادة.
أمام هذه التجارب، يلجأ بعض الأشخاص إلى تغيير مظهرهم أو طريقة كلامهم أو حتى استخدام أسمائهم، في محاولة لتقليل حضور العلامات التي قد تستدعي التمييز، وقد يختار آخرون مغادرة المؤسسة أو التوجه إلى العمل المستقل، فيما يحاول بعضهم الدفاع عن حقوقه عبر المسارات القانونية.
لكن اللجوء إلى هذه المسارات يظل محدودا، إذ يشير التقرير المشترك للمدافعين عن الحقوق ومنظمة العمل الدولية إلى أن 12% فقط من الأشخاص الذين أفادوا بتعرضهم للتمييز في مسارهم المهني عام 2024 اتخذوا إجراءات للمطالبة بحقوقهم، وتعزو الجهات المختصة ذلك إلى الخوف من الانتقام، أو الاعتقاد بعدم كفاية الأدلة، أو الشك في جدوى الإجراءات.
وتجسد أنيسة كلفة محاولة التكيف مع بيئة تشعر فيها بأنها مطالبة بإخفاء هويتها، إذ تقول: "لم أكن أتحدث العربية أمام الناس، وكنت أحاول في كل مرة إثبات أنني جديرة بالقبول"، لكنها في نهاية المطاف، فضلت مغادرة تلك البيئة، بعدما شعرت بأنها تحاول باستمرار التكيف مع معايير الآخرين.
وتلخص تجربتها بقولها: "من الواضح أنني حاولت تقمص معايير البيض، لكن من الأفضل لي أن أكون على طبيعتي".
وتكشف الشهادات التي جمعتها ميديا بارت أن التمييز في العمل لا يقتصر على رفض طلب توظيف أو حرمان موظف من ترقية، بل قد يتحول إلى تجربة تمس إحساس الإنسان بذاته ومكانه في المجتمع.
فعندما يصبح الاسم أو المظهر أو الأصل أساسا لتحديد الوظائف المناسبة للفرد، أو لتقييم قدراته وفرص تقدمه، يجد نفسه مطالبا ببذل جهد إضافي لإثبات كفاءته، فضلا عن مواجهة الصور النمطية المفروضة عليه.
وتلخص الباحثة آن زو-ثلامي هذا العبء الإضافي بالقول إن "الجميع مطالب ببذل جهد ليبدو مهنيا، لكن الأشخاص غير البيض مطالبون بجهد إضافي انطلاقا من الطريقة التي يُنظر إليهم بها من الناحية العرقية".
وبذلك، فإن هذه القضية تطرح سؤالا يتجاوز حدود المؤسسات والشركات: كيف يمكن ضمان أن يكون العمل مساحة لتقييم الكفاءة والإنجاز، لا مجالا يتم فيه دفع الأشخاص إلى إخفاء أصولهم أو التنازل عن جزء من هويتهم كي يحصلوا على الاعتراف الذي يستحقونه؟