أصعب ما تواجهه مسرحية Harry Potter and the Cursed Child، أن جمهورها يدخل القاعة وفي ذاكرته عالم مكتمل، يعرف ملامح شخصياته، وأصواتها، وشكل المدرسة التي تعلمت فيها السحر، ويحمل توقعات صنعتها سنوات من القراءة والمشاهدة.
أمام هذا الجمهور، يختار العرض مغامرة مضاعفة، أن يواصل حكاية انتهت، وأن يمنحها حياة على خشبة لا تمتلك حرية الكاميرا والمونتاج، ومن هذه الحدود تأتي متعته الأكبر، فالسحر يحدث أمام العين، في مساحة يتقاسمها الممثل والمتفرج، ويظل السؤال عن كيفية حدوثه جزءاً من لذة المشاهدة.
بدأت المسرحية رحلتها في مسرح بالاس بلندن، حيث افتتحت رسمياً في 30 يوليو 2016، بنص لجاك ثورن، يستند إلى قصة وضعها مع جيه كيه رولينج والمخرج جون تيفاني، جاءت باعتبارها الحكاية الثامنة في السلسلة، بعد 19 عاماً من أحداث Harry Potter and the Deathly Hallows، وهو اختيار سمح باستعادة الشخصيات القديمة، مع نقل مركز المغامرة إلى أبنائها، هكذا انتقل سؤال السلسلة من طفل يحاول فهم ماضيه إلى أب يعجز عن منع ذلك الماضي من التأثير في ابنه.
15 جائزة من لندن إلى نيويورك
وصل العرض إلى مسرح "ليريك" في برودواي، وافتُتح رسمياً في 22 أبريل 2018، بعد إعادة تجهيز المسرح لاستقباله، كان المشروع يحمل طموحاً يتجاوز تقديم امتداد مسرحي لعلامة ناجحة، إذ بلغت كلفة إطلاقه نحو 68.5 مليون دولار، شملت 35.5 مليون لتمويل الإنتاج، و33 مليوناً لإخلاء المسرح وإعادة تهيئته، وقدم في البداية على جزأين، يتطلبان وقتاً يتجاوز 5 ساعات، بما يجعل حضوره مناسبة ينظم المتفرج يومه حولها.
ترجم النجاح إلى 9 جوائز أوليفييه في لندن، ثم 6 جوائز توني في نيويورك، بينها أفضل مسرحية وأفضل إخراج، وبحلول 8 مارس 2020، كانت إيرادات برودواي قد تجاوزت 174 مليون دولار، من بيع أكثر من 1.3 مليون تذكرة، مسجلة آنذاك مكانتها بوصفها المسرحية غير الموسيقية الأعلى إيراداً في تاريخ برودواي، بحسب موسوعة جينيس.
لكن استمرارها اقتضى تعديل شكلها، فتحولت بعد الجائحة إلى عرض واحد في 2021، ثم خضعت لاختصار إضافي في نوفمبر 2024، لتصبح مدتها أقل من 3 ساعات، وهذا التحول يكشف أيضاً شروط الإنتاج التجاري، من الحفاظ على ضخامة التجربة، إلى جعلها أيسر حضوراً وتسويقاً.
وزارة السحر
في قلب الحكاية، أصبح هاري موظفاً في وزارة السحر وأباً يجد صعوبة في التواصل مع ابنه ألباس. يحمل الصبي اسماً يسبقه أينما ذهب، ويشعر بأن عليه إثبات استحقاقه له، بينما يجد صداقة مع سكوربيوس، ابن دراكو مالفوي، خصم أبيه القديم.
يحاول الاثنان إصلاح مأساة من الماضي باستخدام أداة للسفر عبر الزمن، فتقودهما النيات الحسنة إلى تغييرات تهدد الحاضر، خلف المغامرة سؤال واضح، وهو كيف يستطيع الأبناء تكوين هوياتهم، إذا كان الجميع يقرأهم من خلال آبائهم؟
هذه الفكرة تمنح النص أفضل مداخله، البطولة القديمة لا تجعل هاري أباً مثالياً، والنجاة من العنف لا تعني التحرر من آثاره، يخطئ حين يتعامل مع خوف ابنه باعتباره مشكلة ينبغي تصحيحها، بينما يحتاج ألباس إلى اعتراف بحقه في الاختلاف.
غير أن المسرحية لا تمنح هذا الصراع دائماً المساحة التي يستحقها، فكلما اقتربت من تعقيد العلاقة، استدعتها المغامرة إلى انتقال زمني جديد أو خطر إضافي، حتى تبدو بعض المصالحات أسرع من الجروح التي سبقتها.
السفر عبر الزمن
ويظل السفر عبر الزمن أكثر أدوات النص إغراءً وإرباكاً، يسمح باستعادة وجوه وأحداث يعرفها الجمهور، وباختبار احتمالات مغايرة لمسار الحكاية، لكنه يجعل البناء معتمداً على معرفة سابقة بتفاصيل السلسلة، وقد تتحول متعة التعرف إلى عبء، حين يحتاج المشاهد إلى استرجاع واقعة قديمة كي يدرك خطورة ما يجري أمامه.
هنا يظهر تفاوت بين وضوح الهدف العاطفي وتعقيد الطريق إليه، وبين الرغبة في حكاية مستقلة وإغراء مكافأة الجمهور على ذاكرته.
أما إخراج جون تيفاني، فيجد حلولاً أكثر رشاقة، تقوم سينوغرافيا كريستين جونز على عناصر قابلة للتحول، تمنح الحركة والإضاءة مجالاً لاستكمال المكان، مقاعد وحقائب وسلالم تتحرك فتتبدل العلاقات والمسافات، من دون حاجة إلى بناء واقعي كامل لكل موقع.
وفي مشاهد السلالم تحديداً، يصبح الانتقال تعبيراً عن اقتراب الشخصيات وابتعادها، يمر شخصان متجاورين، لكن المسار يحول دون لقائهما، فتكتسب حركة الديكور معنى يتجاوز وظيفتها العملية.
وتمنح إدارة الحركة لستيفن هوجيت العرض إيقاعه المتصل، الأجساد والعباءات تشارك في تغيير المشاهد وإخفاء الانتقالات، كأن الفرقة كلها تعمل داخل آلة واحدة، ينجح ذلك حين تنشأ الحركة من ضرورة المشهد، لكنه يصبح أقل تأثيراً عندما تتكرر الالتفافات وحركات العباءات، فتبدو الفواصل مصممة لاستمرار النشاط البصري، بينما يحتاج الإيقاع أحياناً إلى سكون يتيح استيعاب ما حدث.
سر الحيلة
تبلغ الحرفة ذروتها في الخدع التي صممها جيمي هاريسون، اختفاء الأجساد وتحولاتها، والسباحة المعلقة، وحضور الديمنتورز (مخلوق خيالي في سلسلة هاري بوتر)، تستثمر قابلية المسرح لخداع الإدراك من خلال التوقيت وتوجيه النظر.
وتؤدي إضاءة نيل أوستن دوراً حاسماً في تحديد ما نراه وما يغيب عنا، الدهشة هنا مرتبطة بقرب الحدث، نعرف أن جسداً حقيقياً يقف أمامنا، ومع ذلك نشاهد ما يبدو مستحيلاً، وكلما احتفظ العرض بسر الحيلة، اتسعت مساحة الخيال.
وتتكامل موسيقى إيموجين هيب مع تصميم الصوت لجاريث فراي في بناء مناخ يتراوح بين القلق والحنين، يمنح الصوت التحولات الزمنية ثقلاً محسوساً، ويجعل الخطر أكبر من حدود المشهد المرئي.
لكن كثافة العناصر تطرح السؤال النقدي نفسه، متى تدعم التقنية الانفعال، ومتى تسبقه؟ بعض اللحظات تكتسب قوتها من اجتماع الضوء والصوت والحركة، بينما كانت لحظات أخرى ستصبح أعمق لو مُنحت الكلمة وملامح الوجه وقتاً أطول.
المساحة الإنسانية
على مستوى الأداء، تمنح ثنائية ألباس وسكوربيوس المسرحية مركزها الأكثر حيوية، الأول يتحرك تحت ضغط المقارنة والغضب، والثاني يستخدم الارتباك وخفة الظل بحثاً عن القبول، ومن التفاوت بينهما تنشأ علاقة تستطيع حمل المشاهد بعيداً عن الأسماء الموروثة.
أما أدوار الكبار، فتواجه اختباراً أصعب، وهو الاحتفاظ بما يجعل الشخصيات مألوفة، مع إظهار ما فعلته بها السنوات، ويضعف التوازن حين تختزل شخصية مثل رون في التعليق الطريف، بينما تحتاج العلاقة بين هاري وابنه إلى أداء مقتصد، يترك التردد والعجز ظاهرين خلف سلطة الأب.
تنجح Harry Potter and the Cursed Child أكثر حين تتمسك بهذه المساحة الإنسانية، فالسؤال الذي يبقى بعد الخدع يتعلق برجل أنقذ العالم، ثم اكتشف أن فهم ابنه مهمة يصعب عليه إنجازها، وحين تتجاور هشاشة الأب وحيرة الابن، تجد المسرحية سبباً مقنعاً لمواصلة الحكاية، أما حين تتعجل مشاعرهما لتلحق بالمغامرة التالية، فإنها تترك وراءها احتمالاً لدراما أعمق، كان يستحق بعض الوقت الذي منحته للسحر.