شهدت الأسواق السعودية انتعاشًا ملحوظًا في حركة الإنفاق الاستهلاكي خلال الأسبوع الأخير من أكتوبر 2026، بعدما قفزت قيمة عمليات نقاط البيع إلى 15.41 مليار ريال، بما يعادل نحو 4.1 مليارات دولار، في مؤشر يعكس عودة النشاط الشرائي إلى مستويات مرتفعة بعد أسبوعين متتاليين من التراجع.
ولم تكن الزيادة مجرد ارتفاع محدود في مبيعات المتاجر، بل شملت قطاعات متعددة، من الأغذية والمشروبات إلى الملابس والاتصالات والتعليم، وسط توسع في عدد المعاملات الإلكترونية وانتشار النشاط التجاري عبر المدن السعودية.
وتفتح هذه الأرقام تساؤلات بشأن طبيعة التحسن في الطلب المحلي، ومدى ارتباطه بصرف الرواتب، وقدرة الأسواق على الحفاظ على زخم الإنفاق، وما يمكن أن تكشفه هذه التحركات عن أداء الاقتصاد غير النفطي في المملكة.
قفزة بنسبة 30.8% في أسبوع واحد
كشفت بيانات البنك المركزي السعودي «ساما»، الصادرة في 3 نوفمبر 2026، أن قيمة عمليات نقاط البيع خلال الفترة من 25 إلى 31 أكتوبر بلغت نحو 15.41 مليار ريال، مقارنة بنحو 11.78 مليار ريال في الأسبوع السابق، بزيادة نسبتها 30.8%.
وبذلك تكون المبيعات قد ارتفعت بنحو 3.63 مليارات ريال خلال سبعة أيام فقط، وهو ما يعكس حجم التحول في حركة الشراء خلال فترة زمنية قصيرة.
ولم يقتصر الارتفاع على القيمة المالية للعمليات، إذ صعد عدد معاملات نقاط البيع بنسبة 15.6%، ليصل إلى نحو 264.93 مليون عملية، مقابل 229.12 مليون عملية في الأسبوع السابق.
ومن خلال مقارنة القيمة الإجمالية بعدد المعاملات، يتضح أن متوسط قيمة العملية الواحدة ارتفع من نحو 51 ريالًا إلى أكثر من 58 ريالًا، بما يشير إلى زيادة حجم الإنفاق لكل معاملة، إلى جانب ارتفاع عدد العمليات المنفذة.
ويعكس هذا التزامن نشاطًا تجاريًا واسعًا، لكنه لا يكفي وحده للحكم على وجود زيادة مستدامة في القوة الشرائية، خصوصًا أن المقارنة تشمل أسبوعين متتاليين فقط.
لماذا انتعش الإنفاق بعد أسبوعين من التراجع؟
جاء الانتعاش بعد تراجع قيمة عمليات نقاط البيع بنسبة 6.8% خلال الأسبوع المنتهي في 17 أكتوبر، أعقبه انخفاض آخر بنسبة 6.5% خلال الأسبوع المنتهي في 24 أكتوبر.
ويساعد هذا التسلسل على تفسير جزء من القفزة الأخيرة، إذ تزامن الأسبوع المنتهي في 31 أكتوبر مع موعد صرف الرواتب الحكومية في المملكة، الذي يحل عادة في اليوم السابع والعشرين من الشهر.
ويرى الاقتصادي طلعت حافظ، في تصريحات نشرتها صحيفة «عرب نيوز» في 6 نوفمبر، أن صرف الرواتب كان عاملًا رئيسيًا وراء زيادة الإنفاق، حيث يعود المستهلكون إلى شراء الاحتياجات المنزلية والسلع التي ربما تأجل شراؤها خلال الأسابيع السابقة.
ويعني ذلك أن بعض النمو المسجل قد يكون مرتبطًا بتوقيت تنفيذ المشتريات أكثر من كونه تغيرًا دائمًا في مستوى الاستهلاك.
ومع ذلك، فإن توزع الزيادة على قطاعات ومدن متعددة يوضح قدرة النشاط التجاري على الاستجابة السريعة لعودة السيولة إلى الأسواق.
الأغذية والمطاعم تقود حركة الإنفاق
احتل قطاع الأطعمة والمشروبات صدارة القطاعات من حيث قيمة عمليات نقاط البيع، مسجلًا نحو 2.8 مليار ريال، بزيادة أسبوعية بلغت 39.6%.
وجاء قطاع المطاعم والمقاهي في المرتبة الثانية، بقيمة وصلت إلى 1.9 مليار ريال، بارتفاع نسبته 21%.
وبذلك استحوذ القطاعان معًا على نحو 4.7 مليارات ريال، أي ما يقارب 30.5% من إجمالي قيمة عمليات نقاط البيع المسجلة خلال الأسبوع.
وتبرز أهمية هذه الأرقام في ارتباطها المباشر بالحياة اليومية للأسر والمقيمين، حيث تمثل المواد الغذائية والوجبات والخدمات المرتبطة بها جزءًا متكررًا من النشاط الاستهلاكي.
كما سجل قطاع الملابس والأحذية والإكسسوارات مبيعات بلغت 1.29 مليار ريال، بنمو أسبوعي وصل إلى 47.4%، ما يعكس ارتفاعًا واضحًا في الإنفاق على السلع غير الغذائية.
وفي القطاعات المرتبطة بالتنقل، بلغت عمليات نقاط البيع بمحطات الوقود نحو 1.11 مليار ريال، بينما سجل قطاع النقل نحو 1.1 مليار ريال.
ويشير هذا التنوع إلى أن زيادة الإنفاق لم تتركز في المشتريات الأساسية فقط، بل امتدت إلى أنشطة خدمية وتجارية متعددة.
التعليم والاتصالات يسجلان أكبر نسب النمو
من أبرز المفاجآت التي أظهرتها البيانات ارتفاع قيمة الإنفاق عبر نقاط البيع في قطاع التعليم بنسبة 81.5% خلال أسبوع، لتصل إلى نحو 123.45 مليون ريال.
ورغم أن قيمة العمليات التعليمية تظل أقل من قطاعات مثل الأغذية والمطاعم، فإن نسبة النمو المرتفعة تعكس قفزة ملحوظة في هذا النشاط.
وسجل قطاع الاتصالات ارتفاعًا بنسبة 60.7%، لتصل قيمة عملياته إلى نحو 302 مليون ريال.
كما ارتفع الإنفاق في قطاع المجوهرات بنسبة 44.9%، مسجلًا نحو 619.65 مليون ريال، فيما بلغت عمليات نقاط البيع المرتبطة بالرعاية الصحية نحو 961.19 مليون ريال.
وتوضح هذه التحركات أن الزيادة شملت احتياجات أساسية وخدمات ومشتريات اختيارية، وهو ما يمنح صورة أكثر تنوعًا عن أنماط الإنفاق خلال الأسبوع.
لكن ارتفاع قطاع معين بنسبة كبيرة لا يعني بالضرورة أنه الأكثر مساهمة في إجمالي الإنفاق، إذ تظل القيمة الفعلية للعمليات عنصرًا مهمًا عند تقييم الوزن الاقتصادي لكل نشاط.
الرياض تتصدر.. وجدة ثاني أكبر سوق
على المستوى الجغرافي، واصلت الرياض تصدر المدن السعودية من حيث قيمة عمليات نقاط البيع، بعدما سجلت نحو 5.33 مليارات ريال خلال الأسبوع، بزيادة نسبتها 26.5%.
واستحوذت العاصمة بذلك على نحو 34.6% من إجمالي قيمة العمليات المسجلة في المملكة، وهو ما يوضح حجم النشاط التجاري الذي تتركز فيه المؤسسات والمتاجر والخدمات.
وجاءت جدة في المرتبة الثانية بمبيعات بلغت نحو 1.97 مليار ريال، محققة نموًا أسبوعيًا بنسبة 23.2%.
وسجلت الدمام نحو 747.86 مليون ريال، تلتها المدينة المنورة بقيمة 611.92 مليون ريال، ثم مكة المكرمة بنحو 586.90 مليون ريال.
وتعكس البيانات انتشار التحسن عبر مراكز تجارية وسكانية متعددة، بدل اقتصاره على مدينة واحدة.
كما توفر هذه المؤشرات للشركات العاملة في قطاعات التجزئة والمطاعم والخدمات صورة أسبوعية عن توزيع الطلب، يمكن الاستفادة منها في التخطيط للمخزون والتوسع التجاري وتحديد الأسواق المستهدفة.
كيف يرتبط الإنفاق بنمو الاقتصاد غير النفطي؟
تأتي زيادة الإنفاق الاستهلاكي في وقت يواصل فيه الاقتصاد السعودي العمل على توسيع مساهمة الأنشطة غير النفطية، ضمن مستهدفات رؤية السعودية 2030 الرامية إلى تنويع مصادر النشاط الاقتصادي.
وأظهرت التقديرات السريعة للهيئة العامة للإحصاء نمو الأنشطة غير النفطية بنسبة 1.9% على أساس سنوي خلال الربع الثالث من 2026، رغم انكماش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للمملكة بنسبة 3.8% خلال الفترة نفسها، نتيجة التراجع الكبير في الأنشطة النفطية.
كما سجل الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي المعدل موسميًا ارتفاعًا بنسبة 1.3% على أساس ربعي، مقارنة بالربع الثاني من العام.
وفي هذا السياق، تمثل حركة الإنفاق المحلي أحد المؤشرات التي تساعد في قراءة أداء قطاعات مثل التجارة والتجزئة والضيافة والخدمات والنقل، والتي ترتبط بشكل مباشر بطلب المستهلكين.
وكلما استطاعت هذه القطاعات الحفاظ على نشاط مستقر، زادت قدرتها على دعم حركة الأعمال وتوليد الإيرادات والطلب على الخدمات المرتبطة بها.
ومع ذلك، يجب عدم الخلط بين قفزة أسبوعية في قيمة المدفوعات وبين النمو الحقيقي للاقتصاد، لأن الناتج المحلي يُقاس بمؤشرات أشمل، كما أن قيمة المدفوعات تتأثر بالأسعار والتوقيت والتحول بين وسائل الدفع.
التحول الرقمي يغير خريطة المدفوعات في السعودية
لا يمكن قراءة أرقام نقاط البيع بمعزل عن التحول المتسارع نحو المدفوعات الإلكترونية في المملكة.
فبحسب إعلان البنك المركزي السعودي الصادر في أبريل 2026، بلغت حصة المدفوعات الإلكترونية 85% من إجمالي عدد عمليات الدفع في قطاع التجزئة خلال عام 2025، مقارنة بنسبة 79% في عام 2024.
كما ارتفع عدد عمليات الدفع الإلكترونية المنفذة عبر أنظمة المدفوعات الوطنية إلى نحو 14.6 مليار عملية خلال 2025، مقابل 12.6 مليار عملية خلال العام السابق.
وتوضح هذه البيانات أن الاقتصاد السعودي يشهد تحولًا كبيرًا في طريقة تنفيذ المدفوعات، مدفوعًا بتوسع استخدام البطاقات البنكية وخدمات الدفع الإلكتروني.
ويمنح هذا التحول بيانات أكثر انتظامًا عن المعاملات التي تمر عبر القنوات الرسمية، مع تسهيل عمليات الشراء بالنسبة إلى المستهلكين والمنشآت التجارية.
غير أن زيادة الاعتماد على الدفع الإلكتروني تعني أيضًا ضرورة الحذر عند تفسير ارتفاع عمليات نقاط البيع؛ فقد يعكس جزء من التغير انتقال معاملات من الدفع النقدي إلى الإلكتروني، وليس زيادة مقابلة في كمية السلع والخدمات المستهلكة.
هل تستمر موجة الانتعاش خلال نوفمبر؟
يبقى السؤال الأهم هو قدرة الأسواق السعودية على الحفاظ على مستويات الإنفاق المرتفعة خلال الأسابيع التالية.
فالتجربة الأسبوعية توضح أن حركة الشراء تتأثر بوضوح بمواعيد صرف الرواتب، وأن الانخفاض خلال الأسابيع السابقة قد يعقبه تعافٍ سريع عند تجدد السيولة.
كما أن ارتفاع الإنفاق على الأغذية والملابس والمطاعم والاتصالات يقدم إشارات إلى استمرار الطلب على مجموعة واسعة من المنتجات والخدمات.
لكن تأكيد وجود اتجاه صعودي مستدام يحتاج إلى متابعة متوسط المبيعات لعدة أسابيع، وإجراء مقارنة بالفترات المماثلة من العام السابق، إلى جانب تحليل التضخم وحجم الاستهلاك الفعلي.
ومن المهم كذلك التمييز بين عمليات نقاط البيع وإجمالي الاستهلاك في المملكة، لأن البيانات الأسبوعية المذكورة لا تشمل جميع أشكال الإنفاق، ومنها المشتريات النقدية وبعض قنوات التجارة الإلكترونية والتحويلات.
ماذا تكشف الأرقام عن مستقبل الاقتصاد السعودي؟
تقدم مبيعات نقاط البيع البالغة 15.41 مليار ريال صورة عن نشاط السوق الاستهلاكية السعودية خلال الأسبوع الأخير من أكتوبر، وتؤكد قدرة القطاعات التجارية والخدمية على تحقيق زيادات سريعة في المبيعات مع تحسن تدفقات السيولة إلى المستهلكين.
وتبرز أهمية الرقم في اتساع المشاركة القطاعية والجغرافية، وارتفاع عدد العمليات بالتزامن مع قيمتها، إضافة إلى اتساق هذه التحركات مع التوسع المستمر في المدفوعات الرقمية.
وفي المقابل، تظل دلالة الانتعاش مرتبطة بالسياق الزمني؛ إذ قد يعكس جزء مهم منه تأثير الرواتب والمشتريات المؤجلة، ولا يمثل وحده دليلًا على تسارع مستدام للنمو الاقتصادي.
تم نشر هذه المقالة 15.4 مليار ريال في أسبوع.. ماذا يكشف انتعاش الإنفاق الاستهلاكي عن الاقتصاد السعودي؟ للمرة الأولي علي صحيفة الوئام.