بعد صدور روايته "متحف البراءة"، كان أورهان باموق يتمشّى في شوارع "نيشانتاشي" في إسطنبول مع صديقه الأستاذ الجامعي، فشكا لصديقه ملاحقة الناس له بسؤال: "سيد باموق، هل أنت كمال؟"، وكمال هو بطل رواية متحف البراءة.
كان الحديث بينهما حديث عارفَين بالصنعة الروائية، وممارسين للنقد؛ فتطرّقا لشكوى روسو في "الاعترافات" من أن قارئات "جولي أو هيلواز الجديدة" أحببنه لظنّهنّ أنه بطل الرواية، وتحدّثا عن مقال فوكو "ما هو المؤلف؟". ثم توقّف الأستاذ الجامعي أمام بناية في الحيّ، وأخبر أورهان أنه كان يعتقد أنه وصل إلى بيته. أجابه باموق أنه لا يسكن هذه البناية. فابتسم صديقه، واعترف بأنه افترض أنه انتقل إلى هذه البناية، كما فعل كمال بطل الرواية.
رجلٌ يناقش فوكو وروسو من خلط القراء بين أبطال الروايات والمؤلفين، ويتوهم أن باموق هو كمال بطل الرواية.
هذا ما رواه في فصل "سيد باموق، هل أنت كمال؟" من كتابه "الروائي الساذج والحسّاس"، ويُرجع باموق هذا الخلط إلى طبيعة الرواية التي تفرض هذا الوهم على قارئها.
الإيهام السردي صار قضية.. باموق في قاعة المحكمة
هذا الإيهام السردي تحول عند باموك إلى قيمة أخلاقية، وحقيقة واقعية، فوجد نفسه ملزماً بالدفاع عنها في المحاكم، ومجبراً على تمثيل دور باموق في مسلسل متحف البراءة.
صدرت الرواية عام 2008، بعد حصوله على جائزة نوبل بعامين، وافتُتح متحف البراءة في استنبول عام 2012، وفي العام ذاته أصدر كتاب "براءة الأشياء"، ثم عُرض فيلم "براءة الذكريات" في 2015 في مهرجان البندقية، وتلاه عام 2016 صدور كتاب يضمّ السيناريو وحواراً بين الكاتب والمخرج، ثم جاء مسلسل نتفليكس عام 2026.
ستة نصوص في ثماني عشرة سنة، تسمّيها الباحثة التركية سيدا أريكان "نصوص البراءة"، وترى أن الحلزون المرسوم على أرضية بهو المتحف، والمتكرّر في قرط "فسون" -الشخصية الرئيسية في الرواية-، هو الخط الواصل بينها.
نال المتحف جائزة المتحف الأوروبي لعام 2014؛ أي أن هيئة أوروبية رسمية كرّمت متحفاً لأشياء غير أثرية تُعرض في ثلاثة وثمانين صندوقاً، تحمل أسماء فصول الرواية، ومن اللافت أن الرواية تنتهي بتذكرة دخول مجانية للمتحف الحقيقي، إضافة إلى فهرس للشخصيات، وعادة التذكرة والفهارس تخص الكتب غير الروائية.
وقّع باموق عام 2019 عقداً مع شركة إنتاج هوليوودية لتحويل الرواية إلى مسلسل تلفزيوني، وعندما قرأ السيناريو، وجد أنهم غيروا بعض الأحداث، فرفع دعوى قضائية على الشركة، وربحها عام 2022، وعندما تعاقد لإنتاج مسلسل نتفلكس وضع شرطين شديديّ الصرامة، أولهما أن تعرض عليه كل صفحة تكتب، فإن أجازها يُسمح لكاتب السيناريو بكتابة الصفحة التالية، وثانيهما ألّا يكون هناك موسم ثانٍ للمسلسل مهما بلغ نجاحه، مع إشارة صريحة للمتحف الحقيقي في إسطنبول.
هنا نتساءل عن سبب هذه الصرامة الشديدة في نقل الأحداث، وحماية حقوق كمال؛ خصوصاً ونحن نعلم أن كمال شخصية خيالية، أغلب الظن أن تفسير هذه الصرامة هو أن باموق يريد زيادة جرعة الإيهام السردي وجعلنا نتوهم بأنه وكمال شخصية واحدة.
اهتمام باموق بدقة الأحداث وتفاصيل الأشياء، يشبه اهتمام شخصية كمال، ويتجلى ذلك بمشهد التفتيش؛ فبعد انقلاب 1980 توقف دورية عسكرية سيارة كمال ويتعرض للتفتيش، وتصادر منه مِبشرة سفرجل سرقها من بيت فسون، فيستميت لاستعادتها، ويظهر حرقة لافتة عليها، حرقة أشدّ من حرقته على انقلابٍ أطاح بحكومة بلاده.
رجلٌ يبكي مبشرة السفرجل، ولا يلتفت إلى دبابات مدججة بالأسلحة، هكذا أراد باموق أن يتقاطع مع شخصيته، عندما دخل في معمعة المحاكم من أجل إثبات رواية شخصيته الخيالية، رجل خلقه أورهان وأوهم القارئ بوجوده.
الممثل الذي لا يمثّل
دخلت شخصية باموق الحقيقية في أحداث الرواية؛ إذ حضر حفل خطوبة كمال، وفي الفصل الأخير يكشف لنا باموق أنه كتب الحكاية بلسان كمال بضمير المتكلم، نزولاً عند طلبه.
بعد سقوط نظام الأسد صار السؤال عمّن يضبط الساعة سؤالاً عمّن يروي الحكاية. في الأسابيع الأولى غطّت صور المفقودين جدران ساحة المرجة، وفي برلين افتتح متحف سجون سوريا أول معرض له، وفي معرض دمشق الدولي هذا العام أعادت وزارة الداخلية بناء زنزانة من صيدنايا بأقفالها وملابس معتقليها
لا يتوقف الإيهام السردي في الرواية عند هذا الحد، إنما يذهب إلى ما هو أبعد وأعمق، فبعض لوحات المتحف الحقيقي، وتصميم الغلاف، منسوبة إلى رسّام اسمه أحمد إشيكجي، وهو شخصية خيالية في أول رواية لباموق "جودت بك وأبناؤه" المنشورة عام 1982؛ ترجّح أريكان أنه اسم مستعار لباموق، فهو يرسم وكان يحلم أن يكون فناناً تشكيلياً.
هكذا يُقرأ أورهان، خلق شخصية " أحمد إشيكجي" منذ أربعة عقود، ليوقّع باسمها لوحاته المعلّقة على جدار المتحف اليوم.
لم يكتفِ باموق بهذه المتوالية المعقدة من الإيهام السردي؛ فعندما جاءت لحظة الشاشة أضاف بعدا جديدا من الإيهام، فضمن حلقات المسلسل التسع على منصة نتفليكس، كان هناك ممثل لا يمثل؛ فقد أدّى باموق دوره، ورفض تسمية لعب هذا الدور تمثيلاً "لأنني ألعب دور نفسي" كما صرح.
الزمن الرسمي وزمن الإنسان
وفي فصل "الزمن" من رواية متحف البراءة، يحصي كمال زياراته لبيت محبوبته: ألف وخمسمئة وثلاثة وتسعون عشاءً في ألفين وثمانمئة وأربعة وستين يوماً، دوّنها كلها في مفكرته. وعلى الجدار قرب الباب ساعة يقول إن وظيفتها "إشعار العائلة باستمرارية البيت والحياة، والتذكير بالعالم الرسمي خارج المنزل". ويقول والد حبيبته "دعوها تتكتك، فليس فيها ضرر لأحد. إنها تذكّر بأن البيت بيت".
وفي الغرفة نفسها ساعة أخرى، تظهر على شاشة القناة الوحيدة قبيل أخبار السابعة، يقول كمال إن نظرتهم إليها تشبه نظرتهم إلى العلم الذي يظهر مع نشيد الاستقلال لحظة إغلاق البث، فيحسّون "بالزحام المسمى أمة، وبالقوة المسماة دولة، وبضآلتنا". ثم يقول إن "ضبط ساعة البلد" والأعلام وبرامج أتاتورك كانت تُشعرهم "بأن الحياة الفوضوية غير المنضبطة التي نعيشها داخل البيوت هي خارج رسمية الدولة".
ساعتان في غرفة واحدة؛ الأولى تقول إن البيت بيت، والثانية تقول إن البلد للدولة.
نحن كسوريين نعرف الساعة الثانية جيداً. نتذكر كيف كنا ننتظر بداية الإرسال ونحن نراقب علم الدولة الرسمي حينذاك يرفرف على أنغام نشيد "حماة الديار" على الشاشة؛ ثم يُختم البث كل ليلة ببرنامج "غداً نلتقي". كانت الشاشة تضبط للسوريين ساعة واحدة، وكانت حياتهم تجري في أماكن أخرى، لا يقاس بها الزمن "خارج رسمية الدولة" بعبارة كمال. في أواخر تشرين الثاني 1981 اعتُقل الطيار رغيد الططري في مطار دمشق، ولم يخرج إلا بعد سقوط نظام الأسد في كانون الأول 2024: أكثر من خمسة عشر ألف يوم حقيقي. بينما كمال أحصى ألفين وثمانمئة وأربعة وستين يوماً خيالياً.
من يضبط الساعة؟
بعد سقوط نظام البعث صار السؤال عمّن يضبط الساعة سؤالاً عمّن يروي الحكاية. في الأسابيع الأولى غطّت صور المفقودين جدران ساحة المرجة، وفي برلين افتتح متحف سجون سوريا أول معرض له، وفي معرض دمشق الدولي هذا العام، أقامت وزارة الداخلية جناحاً أعادت فيه بناء زنزانة من صيدنايا بأقفالها وملابس معتقليها، ثم ألحقت بها قسماً عن "التأهيل والإصلاح" في سجونها اليوم. الزنزانة القديمة صارت مقدّمةً لحكاية السلطة الجديدة.
وهذا ما حذّر إليه باموق في كتابه "براءة الأشياء"، إذ يرى أن المتاحف الكبرى تمثّل الدولة، وحكايات الأفراد أغنى وأكثر إنسانية.
ولا أخفي حرجي من هذه المقارنة بين متحف شخصيات وأحداث خيالية، وشخصيات وجرائم حقيقية، لكن ذهاب باموق إلى محكمة ليمنع تزوير سيرة شخصية خيالية، وبناء متحف ليحرس أحداثها وأشياءَها، يجعلنا أمام اختبار أخلاقي إزاء مئات الآلاف من الشخصيات والجرائم الحقيقية، التي لم يبقَ من بعضها إلا صور مهترئة على جدران المرجة. فمن يحرسها؟