نظم معرض الشارقة الدولي للكتاب، الذي تحل فيه سلطنة عُمان ضيف شرف، جلسة حوارية بعنوان «المبادرات والمراكز الثقافية الأهلية في سلطنة عُمان.. شراكة مجتمعية في صناعة المشهد الثقافي»، بمشاركة نخبة من القائمين على المبادرات والصالونات والمجالس الثقافية العُمانية، في حوار تناول واقع العمل الثقافي الأهلي، وأدواره في إثراء الحياة الثقافية، وتعزيز حضور الهوية الوطنية، وتوسيع دائرة المشاركة المجتمعية في صناعة الثقافة.
وأدارت الجلسة أمينة بنت ناصر البلوشية، رئيسة صالون مداد الثقافي، وشارك فيها كل من الدكتورة فاطمة بنت راشد العلياني مؤسسة ورئيسة صالون فاطمة العلياني، وصالح بن سعيد الحمداني مؤسس ورئيس مجلس صحار الثقافي، وأشرقت بنت عبدالله النهدي، رئيسة مبادرة إشراقات ثقافية.
وسعت الجلسة إلى تسليط الضوء على التجارب الثقافية الأهلية في سلطنة عُمان، واستعراض رؤاها وأهدافها، والتعرف على طبيعة علاقتها بالمجتمع والمؤسسات الرسمية والقطاع الخاص، إلى جانب مناقشة إسهاماتها في تشكيل المشهد الثقافي العُماني، والتحديات التي تواجه استمراريتها، والآفاق المستقبلية لتطويرها، واستهلت الجلسة محاورها بالتعريف بالمبادرات المشاركة، والتوقف عند ظروف تأسيس كل منها، والرؤية التي انطلقت منها، والأهداف التي تسعى إلى تحقيقها، مع استعراض طبيعة ارتباطها بالهوية الثقافية العُمانية، ومدى إسهامها في إثراء المشهد الثقافي وإضافة مساحات جديدة للحوار والإبداع والتفاعل المعرفي، كما ناقش المشاركون الكيفية التي استطاعت من خلالها هذه المبادرات ترجمة رؤاها إلى أنشطة وبرامج ثقافية، ومدى قدرتها على التعبير عن خصوصية المجتمع العُماني وتطلعاته، وتعزيز حضور الثقافة في الحياة اليومية.
وفي سياق الحديث عن الشراكة المجتمعية، انتقل الحوار إلى مناقشة السبل العملية لتجسيد الشراكة بين المبادرات الثقافية ومحيطها الاجتماعي، والآليات التي يمكن من خلالها بناء جسور الثقة مع المجتمع المحلي، واستقطاب المشاركين والمتطوعين والداعمين، بما يضمن اتساع قاعدة المشاركة واستمرار الأنشطة، وتناول النقاش كذلك دور القطاع الخاص في مساندة المبادرات الثقافية، وإمكانية بناء نماذج تعاون فاعلة بين المؤسسات الاقتصادية والجهات الأهلية العاملة في المجال الثقافي، مع استعراض التجارب القائمة في هذا الجانب، وكما تطرق المشاركون إلى طبيعة العلاقة بين المبادرات الثقافية والمؤسسات الحكومية المعنية بالشأن الثقافي، ومدى قيام هذه العلاقة على التكامل وتبادل الأدوار وتوحيد الجهود، بما يخدم الأهداف الثقافية المشتركة، وبرز في هذا السياق تساؤل جوهري حول المتطلبات التي يحتاج إليها العمل الثقافي للانتقال من المبادرات القائمة على الجهود الفردية إلى شراكات مجتمعية مستدامة، تمتلك مقومات الاستمرار والتطور.
وركزت الجلسة في جانب آخر على الأثر الذي تتركه المبادرات الأهلية في الحراك الثقافي العُماني، ودورها في تنشيط الفعل الثقافي، وفتح المجال أمام المواهب والطاقات الإبداعية، وإيجاد منصات تتيح تبادل الأفكار والخبرات بين مختلف فئات المجتمع، كما ناقش المشاركون الكيفية التي يمكن من خلالها قياس أثر هذه المبادرات على المجتمع، ومدى انعكاس برامجها وأنشطتها على الوعي الثقافي والمعرفي، مع الاستناد إلى التجارب والنماذج التي حققت نتائج ملموسة، وامتد الحوار إلى دور البرامج الثقافية في صون التراث العُماني الأصيل، وتعريف الأجيال بمكوناته وقيمه، بالتوازي مع الانفتاح على التجارب الثقافية المعاصرة والاستفادة منها، بما يحقق التوازن بين المحافظة على الخصوصية الثقافية ومواكبة التحولات الفكرية والإبداعية.
وتناولت الجلسة مكانة الثقافة باعتبارها حقًا مجتمعيًا وضرورة إنسانية تسهم في بناء الوعي وترسيخ القيم وتعزيز الانتماء، وطرحت مجموعة من التساؤلات حول الجهة التي تمتلك حق صناعة المشهد الثقافي: أهي الدولة أم المثقف أم المجتمع؟ وأين تقع المبادرات الثقافية ضمن هذه المعادلة؟ وما طبيعة الدور الذي يمكن أن تؤديه في تقريب المسافات بين المؤسسات الرسمية والمبدعين والجمهور، وتحويل الثقافة إلى ممارسة مجتمعية يشارك فيها الجميع؟ كما ناقش المشاركون المسؤولية الأخلاقية التي تتحملها المبادرات الثقافية تجاه الأثر الذي تصنعه، باعتبار أن المشهد الثقافي امتداد يتجاوز اللحظة الراهنة ليصل إلى الأجيال القادمة، وبرز هنا تساؤل حول حدود هذه المسؤولية: هل تقتصر على تقديم المحتوى الإبداعي وتنظيم الفعاليات، أم تمتد لتشمل حماية الذاكرة الثقافية، وصون الهوية الوطنية، ونقل المعرفة والتجارب إلى الأجيال المقبلة؟ وفي سياق تأملي، طرحت الجلسة سؤالًا حول ما الذي يمكن أن يحدث في حال غياب المبادرات الثقافية الأهلية، وما إذا كان اختفاؤها سيترك فراغًا تعجز المؤسسات الرسمية عن تعويضه، أم أن وجودها يمثل ضرورة في المنظومة الثقافية، لما تتميز به من قربها من المجتمع وقدرتها على الاستجابة لاحتياجاته وتطلعاته.
واختُتمت الجلسة بمناقشة مستقبل المبادرات الثقافية في سلطنة عُمان، والتحديات والفرص التي تنتظرها خلال المرحلة المقبلة، وإمكانية توسيع مجالات التعاون مع المؤسسات الثقافية الحكومية، بما يعزز حضورها ويدعم قدرتها على تنفيذ برامج نوعية ومستدامة. كما ناقش المشاركون سبل تعزيز التعاون والتنسيق بين المبادرات الثقافية المختلفة، وتبادل الخبرات والتجارب، وتأسيس شراكات تتيح توحيد الجهود وتوسيع نطاق التأثير الثقافي في مختلف محافظات السلطنة، ولم يغفل هذا الجانب الشباب العُماني الراغب في إطلاق مبادرات ثقافية جديدة، حيث طُرحت تساؤلات حول أبرز العوامل التي تساعد على نجاح المبادرة منذ انطلاقتها، وأهمية وضوح الفكرة والأهداف، والتخطيط الجيد، وفهم احتياجات المجتمع، وبناء شبكة من العلاقات والشراكات الداعمة، إلى جانب امتلاك روح الاستمرارية والقدرة على تطوير المبادرة ومواكبة المتغيرات.
وعكست محاور الجلسة أهمية المبادرات والمراكز الثقافية الأهلية باعتبارها روافد أساسية للحراك الثقافي العُماني، ومنصات تتيح للمجتمع المشاركة في إنتاج المعرفة وصناعة الوعي وحماية الذاكرة الوطنية، كما أبرزت أهمية الانتقال بالعمل الثقافي من المبادرات الفردية إلى منظومة من الشراكات المجتمعية الفاعلة، التي تتكامل فيها جهود المثقفين والمؤسسات الرسمية والقطاع الخاص وأفراد المجتمع، بما يرسخ ثقافة المشاركة ويمنح المشهد الثقافي آفاقًا أوسع من التنوع والاستدامة.