القاهرة ـ «القدس العربي»: يصعب اختصار مسيرة إلهام شاهين في عدد الأفلام والمسلسلات التي قدمتها على امتداد أكثر من أربعة عقود، أو في نجومية ارتبطت بحضور جماهيري واسع. فهذه المسيرة تحمل جوانب متعددة تستحق التوقف أمامها. ممثلة امتلكت الجرأة في اختيار أدوارها، ومنتجة خاضت مغامرات سينمائية صعبة، وفنانة دخلت معارك علنية دفاعا عن حرية الإبداع، ودفعت ثمن صراحتها في التعبير عن آرائها ومواقفها، من خلال هجوم متكرر يتجدد مع كل تصريح أو موقف يخالف ما اعتاد قطاع من المجتمع سماعه من الفنانين.
إلهام شاهين من الفنانات اللاتي لا يفصلن بين حضورهن الفني ومواقفهن العامة. تتحدث بصراحة عن قضايا المرأة والفن والدين والسياسة، وتعلن آراءها من دون حسابات ترضي الجميع أو محاولات لمجاملة الرأي العام. وقد جعلتها هذه الصراحة هدفا دائما للانتقاد، حتى أصبح الجدل حول تصريحاتها يتقدم أحيانا على مناقشة أعمالها وتجاربها. والمفارقة أن الفنانة التي قدمت شخصيات نسائية تواجه القيود والوصاية على الشاشة، تجد نفسها في حياتها العامة أمام محاولات متكررة لفرض الوصاية على أفكارها واختياراتها وحقها في التعبير. منذ بداياتها، كانت إلهام شاهين تبحث عن مساحة أوسع من الأدوار التي تمنح النجمة حضورها المعتاد على الشاشة. ومع مرور السنوات اتسعت اختياراتها الفنية، وظهرت ملامح ممثلة تستطيع الانتقال بين عوالم متباينة، من المرأة الشعبية إلى الشخصية المركبة نفسيا، ومن الأدوار الاجتماعية القريبة من حياة الناس إلى شخصيات تضعها في مواجهة قضايا شائكة. تخرجت إلهام شاهين في قسم التمثيل بالمعهد العالي للفنون المسرحية عام 1982، وبدأت خطواتها الفنية على خشبة المسرح في نهاية السبعينيات، من خلال مسرحية «حورية من المريخ» للمخرج كمال ياسين. ثم جاءت تجربتها السينمائية الأولى في «أمهات في المنفى» مع عادل إمام عام 1981، للمخرج محمد راضي، قبل مشاركتها في «العار» عام 1982، للمخرج علي عبد الخالق، عن سيناريو محمود أبو زيد. كانت هذه البدايات مدخلا إلى مسيرة طويلة في السينما المصرية، شاركت خلالها في أعمال جماهيرية وأخرى اتجهت إلى معالجة قضايا اجتماعية وإنسانية. ولم تظل حبيسة صورة الفتاة الجميلة أو البطلة الرومانسية، فقد اتجهت تدريجيا إلى شخصيات أكثر تعقيدا، ووضعت نفسها أمام اختبارات تمثيلية مختلفة. قدمت إلهام شاهين أكثر من مئة فيلم سينمائي، إلى جانب عشرات المسلسلات والأعمال المسرحية. ومن المحطات المهمة في مسيرتها فيلم «السجينتان» (1988)؛ الذي قدمت فيه شخصية «أمينة»، الفتاة التي يزوجها والدها من رجل عربي مسن، ثم تعود إلى مصر وهي تعاني أزمة نفسية قاسية، لتجد نفسها داخل مستشفى للأمراض العقلية تتعرض فيه لانتهاك جديد. كان الدور مواجهة مع واقع اجتماعي قاس، وقدم نموذجا لامرأة تدفع ثمن قرارات عائلية ومجتمعية تُتخذ نيابة عنها. و«أيام الغضب» (1989) للمخرج منير راضي، وقدمت فيه أداءً متميزا حصدت عنه إشادات وجوائز عديدة. وفي «لحم رخيص» قدمت شخصية «توحيدة مسألش»، ضمن فيلم تناول قضية زواج الفتيات المصريات من رجال عرب في ظروف تحكمها الحاجة والفقر، وفتح نقاش حول استغلال النساء وتحويل الزواج إلى صفقة. أما في «يا دنيا يا غرامي» عام 1996، فقد جسدت شخصية نوارة، إحدى ثلاث نساء تتقاطع أحلامهن مع واقع اجتماعي واقتصادي يضعهن أمام اختيارات صعبة. وقد منحها الفيلم مساحة لتقديم امرأة بسيطة تبحث عن حياة أكثر استقرارا، من دون اختزالها في صورة الضحية. وفي «الجنتل» و«دانتيلا» و«هارمونيكا» تنقلت بين شخصيات مختلفة في طبيعتها وعلاقاتها بالآخرين. ثم جاءت مشاركتها في فيلم «سوق المتعة» تأليف وحيد حامد وإخراج سمير سيف، أمام محمود عبد العزيز، لتشكل إحدى أكثر محطاتها التمثيلية عمقاً وجرأة؛ حيث غاص الفيلم في تشريح أزمات سيكولوجية واجتماعية غائرة. عبر شخصية «أحلام»، التي كانت تجسيداً رامزاً ومكثفاً لـ«المتعة الاستهلاكية» في مجتمع يتحول تدريجياً إلى تسليع المشاعر والجسد. الفيلم يطرح تساؤلات وجودية وأخلاقية عميقة حول مفهوم الكرامة والحرية والقمع النفسي؛ إذ يرصد كيف يتحول السجن -الذي قضى فيه البطل (أحمد حبيب) سنوات عمره- من معتقل جدراني إلى حالة ذهنية وسلوك متمكن لا يستطيع الفكاك منه حتى بعد خروجه. وهنا يأتي دور «أحلام» كآلية داخل هذا «السوق» المعقد، حيث يلتقي قهر الحرمان السيكولوجي بتسلط رأس المال الذي يحاول شراء وإعادة إنتاج أكثر اللحظات حميمية وإنسانية. قدمت إلهام الشخصية بفهم درامي يكشف التناقض البشري بين الرغبة الحقيقية والتصنيع المزيف للمتعة، وكيف تغدو العواطف نفسها بضاعة تُشترى لتلبية العقد النفسية لمجتمع تحكمه المصالح والتحولات الطبقية الفجة. وفي «واحد صفر» عام 2009، قدمت شخصية رجاء، المرأة المسيحية التي تخوض معركة قانونية للحصول على حقها في الطلاق، ضمن فيلم أخرجته كاملة أبو ذكري وكتبته مريم نعوم. وقد اقترب العمل من قضية شديدة الحساسية تتعلق بحق المرأة في الاختيار، وعلاقة القانون بالمؤسسات الدينية وبالاحتياجات الإنسانية، من خلال شخصيات تتقاطع حكاياتها في يوم واحد. وهو من الأعمال التي تتقاطع موضوعاتها مع مواقف شاهين المعلنة بشأن حقوق المرأة وحقها في تقرير مصيرها. أما «خلطة فوزية» للمخرج مجدي أحمد علي، عام 2009، فقد قدمت فيه شخصية امرأة شعبية تحمل تجارب وتناقضات كثيرة، وتواجه الحياة بروح ساخرة وقدرة على الاحتمال. فوزية امرأة لها أخطاؤها وأحلامها ورغبتها في الحب والاستقرار، وتجد في تفاصيل الحياة اليومية مساحة للمقاومة والفرح رغم الفقر والضغوط. وفي «حظر تجول» عام 2020، للمخرج أمير رمسيس، قدمت واحدا من أبرز أدوارها في السنوات الأخيرة من خلال شخصية فاتن، المرأة التي تخرج من السجن بعد عشرين عاما، لتجد نفسها أمام ابنتها ليلى التي ما زالت أسيرة أسئلة الماضي، وتعتقد أن أمها قتلت والدها. تدور أحداث الفيلم خلال إحدى ليالي حظر التجول في خريف 2013، وتتحول الليلة إلى مواجهة نفسية بين أم وابنتها، تحاول كل منهما فهم الأخرى ومواجهة ما ظل مسكوتا عنه. وقدمت شاهين الشخصية بأداء يعتمد على التفاصيل والانفعالات الداخلية، وفازت عنها بجائزة أفضل ممثلة في الدورة الثانية والأربعين لمهرجان القاهرة السينمائي الدولي، مناصفة مع الممثلة الروسية ناتاليا بافلينكوفا. من الجوانب التي تستحق اهتماما خاصا في تجربة إلهام شاهين انتقالها من موقع الممثلة إلى موقع المنتجة، فقد ارتبطت بمغامرات إنتاجية تحمل اختيارات فنية واجتماعية، في فترة شهدت فيها السينما المصرية تراجعا في فرص إنتاج الأفلام ذات الطموح المختلف، وصعودا لحسابات السوق والنجوم وشباك التذاكر. بدأت تجربتها الإنتاجية مع «خلطة فوزية» عام 2009، الذي شاركت في بطولته أيضا، وحقق حضورا في عدد من المهرجانات وحصد جوائز متعددة. وقد تحدثت شاهين عن الخسارة المادية التي تعرضت لها من إنتاج الفيلم، رغم حصوله على 17 جائزة، في إشارة إلى الفارق بين القيمة الفنية والاعتبار التجاري في صناعة السينما. ثم جاءت تجربة «هز وسط البلد» للمخرج محمد أبو سيف، قبل أن تخوض مغامرة إنتاج «يوم للستات» عام 2016، للمخرجة كاملة أبو ذكري، وهو من أبرز المشروعات التي ارتبط اسمها بها كمنتجة. استغرق العمل على الفيلم نحو ست سنوات، وواجهت عملية إنتاجه صعوبات تتعلق بتجميع فريق كبير من النجوم وتنسيق مواعيدهم، إلى جانب متطلبات التنفيذ والتصوير. تدور أحداث «يوم للستات» حول مجموعة من النساء في حي شعبي، يحصلن على فرصة للسباحة في حمام سباحة عام خلال يوم مخصص لهن، فتتحول هذه المساحة إلى نافذة على أحلامهن ومخاوفهن ورغبتهن في الفرح والحياة. ويمنح الفيلم المرأة مساحة للتعبير عن نفسها بعيدا عن الأحكام الاجتماعية والوصاية، كما جمع عددا من الشخصيات النسائية التي تختلف ظروفها وتجاربها، لكنها تلتقي في حاجتها إلى مساحة خاصة بها. تكشف هذه التجربة عن جانب مهم في علاقة إلهام شاهين بالسينما… فهي لم تكتف باختيار الأدوار التي تناسبها، وإنما سعت إلى المشاركة في صناعة أفلام تمنح مخرجين وكتابا وممثلين فرصا لتقديم موضوعات مختلفة. وفي هذا السياق، يصبح الإنتاج موقفا من طبيعة السينما التي تريد دعمها، وليس نشاطا تجاريا منفصلا عن اختياراتها الفنية. كما أن إصرارها على خوض هذه المغامرات، رغم الخسائر، يكشف عن استعدادها لتحمل كلفة اختياراتها والدفاع عما تؤمن به. امتدت معارك إلهام شاهين إلى خارج مواقع التصوير، وبلغت واحدة من أكثر محطاتها صخبا عام 2012، خلال موجة الهجوم التي تعرض لها الفنانون من بعض رموز التيار الديني المتشدد. وكانت شاهين من أبرز المستهدفات في تلك الفترة، على خلفية تصريحاتها الرافضة لفرض الوصاية الدينية على الفن، وتحذيرها من خطورة مواقف بعض الجماعات تجاه الإبداع والفنانين. تعرضت لهجوم علني من الداعية عبد الله بدر، الذي وجه إليها عبارات تضمنت سبا وقذفا وطعنا في سمعتها عبر برامج تلفزيونية. واختارت الهام شاهين اللجوء إلى القضاء، وأقامت دعوى ضده، وصدر في كانون الأول/ديسمبر 2012 حكم بحبسه سنة مع كفالة لوقف التنفيذ مؤقتا، وتغريمه عشرين ألف جنيه، وإلزامه بتعويض مدني مؤقت للفنانة قدره عشرة آلاف جنيه. وقد أكدت حيثيات الحكم أن ما صدر عنه تجاوز حدود النقد إلى السب والقذف والمساس بالشرف والاعتبار. القضية بالنسبة إليها تجاوزت الخلاف الشخصي مع داعية أو مقدم برامج، فقد تحولت إلى مواجهة أوسع حول حق الفنان في التعبير، وحدود النقد، واستخدام الخطاب الديني لإهانة أصحاب الآراء المختلفة. وكان موقفها واضحا في رفض تحويل الدين إلى أداة لملاحقة الفنانين أو فرض شكل واحد من التفكير والتعبير على المجتمع. وتزامنت هذه المواجهة مع مناخ سياسي وثقافي شديد الاستقطاب، شهد هجوما على عدد من الأعمال الفنية والفنانين، وطرح أسئلة حول مستقبل حرية الإبداع في مصر. وفي تلك الأجواء… لم تتراجع شاهين عن إعلان موقفها، ودخلت معركة قضائية وإعلامية دافعت خلالها عن كرامتها الشخصية وحقها في ممارسة عملها الفني من دون تهديد أو تشهير. ومنذ تلك الواقعة ظل اسم إلهام شاهين حاضرا في موجات متتابعة من الهجوم، تتغير أسبابها وتتشابه آلياتها. تصريح عن قضية عامة، أو رأي في مسألة تخص المرأة، أو موقف من الدين والفن، كفيل بإشعال حملة من التعليقات والاتهامات. وعادت قضية مواجهة الفكر المتطرف إلى تجربتها الفنية بصورة مباشرة من خلال مسلسل «بطلوع الروح» عام 2022، للمخرجة كاملة أبو ذكري، حيث قدمت شخصية منال، المعروفة باسم أم جهاد، قائدة «لواء الخنساء» التابع لتنظيم داعش الإرهابي. وهي امرأة تتولى تجنيد النساء وفرض أفكار التنظيم عليهن، وتتعامل بعنف مع من يخالف أوامرها. وقد تطلب الدور تحضيرا نفسيا وبحثا في طبيعة التنظيم وأساليب تجنيده للنساء. أثار ظهورها في المسلسل جدلا وهجوما قبل عرض العمل، لكنها دافعت عن التجربة باعتبارها مواجهة فنية لأفكار داعش وممارساته، وتفكيكا للصورة التي يقدمها التنظيم عن نفسه. وكان الدور من أكثر الشخصيات اختلافا في مسيرتها، إذ جسدت امرأة تنتمي إلى عالم يناقض مواقفها ومعتقداتها، واعتبرت أن تقديم هذه الشخصية يتيح كشف آليات التطرف واستغلال الدين في تبرير العنف والسيطرة على النساء. وبين معركة 2012 ومسلسل «بطلوع الروح» تتضح صلة أساسية في مسيرة إلهام شاهين بين موقفها من حرية الفن واهتمامها بمواجهة التطرف. ففي الأولى دافعت عن حق الفنان في التعبير أمام حملات الإهانة والتكفير، وفي الثانية شاركت في عمل درامي يتناول التنظيمات الإرهابية من الداخل، ويكشف جانبا من ممارساتها تجاه النساء والمجتمع. إلى جانب مواقفها المتعلقة بحرية الإبداع، أعلنت إلهام شاهين تأييدها لتعديل قوانين الأحوال الشخصية، وتحدثت في أكثر من مناسبة عن ضرورة حماية حقوق المرأة ومنحها مساحة أوسع للاختيار والاستقلال. كما أثارت اهتماما واسعا بإعلان رغبتها في التبرع بأعضائها بعد الوفاة، في موقف فتح نقاشا حول ثقافة التبرع بالأعضاء وأهميتها الإنسانية، وما يحيط بها من تحفظات اجتماعية ودينية. قد لا يتفق معها الجميع، وهذا حقهم.. لكن حقها في التعبير عن أفكارها يظل قائما، مثل حق أي فنان في الاختلاف مع السائد ومناقشة القضايا العامة من موقعه وقناعاته. وبين اختياراتها الفنية ومغامراتها الإنتاجية ومعاركها العلنية، تتشكل مسيرة إلهام شاهين بوصفها تجربة لفنانة اختارت أن تكون حاضرة بصوتها ومواقفها، حتى في الأوقات التي كان الصمت فيها أكثر راحة وأقل كلفة.