رائد سعد المطيري
ما فائدة منصة سعودية إذا لم تنافح عن السعودية؟ وما قيمة ما تملكه من إمكانات وتأثير إذا لم يجد بلدها نصيبا منها حين يحتاج إلى صوتها؟
أطرح هذا السؤال لأن ما تواجهه السعودية من استهداف يفرض على كل واحد منا مسؤولية واضحة: أن يتحمل واجبه من موقعه، ويحشد ما يملك من أدوات دفاعا عن بلده وقضيته العادلة. وتتضاعف هذه المسؤولية على من يملكون المنابر، ويحددون ما يصل إلى الناس، وما يشغل وعيهم.
وحين أقول «منصة»، فأنا أعني كل منبر مرئي أو مسموع أو مكتوب؛ كل جهة تملك كلمة أو صورة أو قدرة على صناعة رواية والتأثير بها.
في تاريخ الإعلام العربي، تقدم تجربة «صوت العرب» مثالا على إدراك قوة المنبر؛ فقد ارتبطت بمشروع جمال عبدالناصر، وحملت خطابه إلى جمهور عربي واسع. كانت جزءا من مشروع يعرف ما يريد قوله، ولمن يقوله، ويسخر أدواته للوصول إليه.
وهذا، في تقديري، موضع الاستشهاد: أن تدرك المؤسسة الإعلامية حجم ما تستطيع فعله، وتمتلك الإرادة والشجاعة لتفعله؛ أن تكون لديها قضية تمنحها جهدها، ورسالة تعرف كيف تحملها إلى الناس.
واليوم، ونحن نملك هذا الاتساع في المنصات، والتنوع في الأدوات، والقدرة على الوصول، من حقنا أن نسأل: أين أثر ذلك في خدمة السعودية؟ أين الجهد الذي يوازي حجم الاستهداف؟ وأين النفس الطويل في تقديم روايتنا، وشرح مواقفنا، وتفنيد ما يراد إلصاقه بنا؟
بالنسبة لي، الوطنية مسؤولية تتجاوز انتظار ما يملى عليك. تظهر في قدرتك على قراءة اللحظة، وشجاعتك في اتخاذ القرار وتحمل تبعاته. ومن يتولى منبرا مؤثرا يفترض أنه يملك من الوعي والحس الوطني ما يجعله يعرف متى يبادر، وأين يجب أن يكون صوته حاضرا.
الجندي في الميدان يقدر الموقف، ويتخذ ضمن مهمته قرار التقدم أو الدفاع أو اعتراض تهديد، ويتحمل مسؤولية قراره. وفي ميدان الإعلام، يحتاج صاحب المسؤولية والقلم إلى أصل الشجاعة ذاته: أن يعرف واجبه، ويتخذ القرار الذي يمليه عليه وعيه.
تختلف الميادين والتضحيات، وتبقى الشجاعة في تحمل المسؤولية صفة يحتاجها كل من يتقدم لخدمة وطنه.
وللشجاعة الإعلامية عدتها: معرفة، وتحقق، وحجة، وحسن تقدير. بها تقدم عملا، وتفتح ملفا، وتحمل رواية بلدك بثقة. أما انتظار من يحدد لك في كل مرة حتى موضع واجبك، فيترك موقعك معطلا مهما امتلكت من إمكانات.
من المعيب والمجحف بحق وطنك أن تستغرق في قضايا تافهة، وتستنفر لها محرريك ومصمميك ومساحاتك، في ظرف يستوجب أن تحشد كل ما لديك من أجله. ومن المؤلم أن ترى منصة تعرف كيف تصنع موضوعا من عبارة عابرة، ثم تتضاءل قدرتها على المبادرة حين تكون القضية وطنا بحجم السعودية.
الأولويات موقف أيضا؛ فما تختار أن تبرزه، وما تمنحه وقتك وجهدك، يكشف مقدار إدراكك لمسؤوليتك.
وفي المقابل، أرى في تجربة القناة الإخبارية السعودية ما يستحق الإشادة؛ شجاعة في التناول، ووضوحا في الموقف، ومبادرة تعكس وعيا بمسؤولية المنصة الوطنية.
هذا هو النفس الذي نحتاج إليه: حماس لوطننا يظهر في العمل، وغيرة عليه تتحول إلى مبادرة، وإيمان بعدالة قضيته يترجم إلى محتوى مهني مؤثر، تسنده الحقيقة وتقويه الحجة.
كل واحد منا مسؤول عما يملك؛ من يملك قلما فبقلمه، ومن يملك كاميرا فبصورته، ومن يملك منصة فبقدرتها على الوصول. وبقدر ما تتسع الإمكانات، تتسع المسؤولية.
ومن يتصدر موقعا إعلاميا، ثم يفتقر إلى الحس الوطني الذي يحركه، والشجاعة التي تمكنه من اتخاذ القرار، فعليه أن يسأل نفسه بجدية: هل يستحق هذا الموقع؟
السعودية التي تمول وتدعم وتمنح الفرص، تستحق أن ترى أثر ذلك دفاعا عنها، وانتصارا لحقها، وحضورا يوازي مكانتها وما تواجهه.
@Rmotiri
تم نشر هذه المقالة منابر تعيش بخير السعودية.. فأين شجاعتها للسعودية؟ للمرة الأولي علي صحيفة الوئام.