لماذا تشوهون الأسطورة؟
ليس من الضروري أن تحبه، ولا أن تتفق مع اختياراته، أو تؤيد كل تصريحاته وقراراته، ليس مطلوبا منك أن تضع صورته في غرفتك، أو أن تدافع عنه في كل مرة يتعرض فيها للانتقاد، لكن هناك حدودا ينبغي ألا نتجاوزها، خصوصًا عندما نتحدث عن لاعب لم يعد مجرد اسم في سجلات كرة القدم، بل أصبح جزءا من ذاكرة أجيال كاملة.
كفى تقليلا.. كفى سخرية، وكفى محاولات مستمرة لمحو سنوات طويلة من العطاء بسبب تعثر عابر، أو خسارة مؤلمة، أو مباراة لم تسر كما أرادها صاحبها.
هل نسيتم كل شيء؟
هل يمكن أن تختصروا مسيرة استثنائية في لقطة عابرة؟ هل يمكن أن تتجاهلوا سنوات من التألق، والأرقام التي بدت مستحيلة، واللحظات التي جعلت الملايين يقفون أمام شاشات التلفزيون انتظارًا لما يمكن أن يفعله؟
كيف يمكن أن تتحول كل تلك الإنجازات إلى مادة للسخرية؟
الأمر لا يتعلق بمنع النقد، فمن حق الجميع أن يناقش مستواه، وأن ينتقد أداءه في نهاية مسيرته، وأن يقول إنه لم يعد كما كان ويتناول قرار اعتزاله الدولي، فكرة القدم لا تمنح أحدا حصانة من النقد، مهما بلغت عظمته.
لكن أن يتحول النقد إلى شماتة، وأن تصبح كل كبوة فرصة للتشفي، وأن يجري التعامل مع تاريخ كامل باعتباره شيئا يمكن إلقاؤه في سلة المهملات، فهنا نتحدث عن مشكلة تتجاوز حدود كرة القدم.
هل كره الخصوم هو البوصلة؟
ربما تكون المشكلة الحقيقية أننا لم نعد نكتفي بالانتصار لمن نشجعهم، بل أصبحنا نبحث عن هزيمة الآخرين.
لم يعد يكفينا أن نحتفل بنجاح لاعبنا المفضل، بل نريد أن نرى منافسه حزينا، وأن نشارك في السخرية منه، وأن نثبت في كل مناسبة أنه أقل قيمة.
وهكذا تحولت المنافسة الجميلة إلى معركة لا تنتهي، وأصبح بعض المشجعين يقيسون سعادتهم بحجم الألم الذي يتسببون فيه لمشجعي الطرف الآخر.
والأكثر غرابة أن كثيرين ممن يسخرون اليوم من هذا الأسطورة، ربما كانوا قبل سنوات قليلة يقفون احتراما أمام ما يقدمه، ويضطرون للاعتراف بموهبته.
لكن يبدو أن ذاكرة بعض الجماهير قصيرة للغاية، وأن الانتماء أصبح أحيانا أقوى من القدرة على الاعتراف بالحقيقة.
التاريخ لا يمحى بتغريدة أو صورة ساخرة
هناك من يمروو على كرة القدم، وهناك لاعبون يتركون بصمة لا يمكن محوها، وهناك أسماء تتجاوز المنافسات والأندية والمنتخبات، لتصبح ملكا للعبة نفسها، يستمتع بها مشجعو الفرق المختلفة، حتى لو اختلفوا حول الأفضل بينهم.
من حق كل مشجع أن يختار بطله، وأن يرى فيه الأعظم، وأن يدافع عنه أمام منافسيه، لكن ليس من حقه أن يحول اختلاف الأذواق إلى مبرر لإهانة الآخرين أو الانتقاص من تاريخهم.
فالأجيال الجديدة ستتذكر من جعل كرة القدم أكثر متعة، ومن منح الملايين لحظات لا تنسى، ومن دفع حدود اللعبة إلى مستويات جديدة.
وفي النهاية، ربما تنتظرون أن يكون هذا المقال يدافع عن لاعب واحد بعينه، ويطالب جماهير لاعب بالتوقف عن السخرية من منافسه فقط، لكن الحقيقة غير ذلك.
فمن يظن أن الحديث عن ليونيل ميسي، فهو محق، ومن يظن أنه عن كريستيانو رونالدو، فهو محق أيضا، لأننا لا نتحدث عن واحد منهما دون الآخر، بل عن اثنين من أعظم من لمسوا كرة القدم، وعن أساطير لا تستحق أن تتحول مسيرتهم إلى مادة للتشفي بسبب عدم فوز بالمونديال أو خسارة وبكاء في النهائي.
لكن الجوهر أن الرسالة تتجاوز هذا الثنائي العظيم، وتمتد إلى كل أسطورة منحتنا سنوات من المتعة، مهما كان اسمها أو قميصها.
شجع فريقك كما تشاء، واحتفل بانتصاراته كما تشاء، ودافع عن نجمك المفضل حتى النهاية، لكن لا تجعل حبك لأحدهما سببًا في كراهية الآخر.
شجع فريقك أكثر مما تعادي منافسيه، فالأفضل أن تكون مشجعا لكرة القدم، لا خصما لأحد أساطيرها.