أفادت مجلة Nature Communications بأن علماء الأعصاب رصدوا منذ فترة طويلة وجود خلايا عصبية في مناطق محددة من الدماغ، تشمل الحصين، وقشرة الفص الجبهي، والجسم المخطط، تقوم بإطلاق إشارات متتابعة، حيث يستجيب كل منها في لحظة زمنية معينة خلال فترات التوقف. تعمل هذه الخلايا بشكل جماعي على توثيق مرور الوقت، تشبيهاً بحركة عقرب الثواني، بينما تقوم خلايا أخرى قريبة منها، تُوصف بأنها "متضخمة"، بتعديل مستويات نشاطها صعوداً أو هبوطاً تدريجياً ضمن إطار زمني محدد. وقد أثار هذا الموضوع جدلاً علمياً حول مصدر هذه الإشارات، إذ تساءل الباحثون عما إذا كانت نتاجاً للتعلم أو سمة فطرية متأصلة في بنية الدماغ.
نظراً لصعوبة اختبار هذه الفرضية مباشرة في الدماغ الحي، اعتمد الباحثون على الأدوات الرياضية، وتحديداً النماذج التي توضح كيفية تطور الأنظمة مع مرور الوقت، وهي النماذج ذاتها المستخدمة حالياً في تقنيات الشبكات العصبية. وقد تم تدريب عامل ذكاء اصطناعي باستخدام منهجية التجربة والمكافأة بهدف تحديد أطول ثلاث إشارات متتالية.
أظهرت النتائج أن الشبكة العصبية التي تم ضبطها بإعدادات أولية متوافقة رياضياً، أنتجت بشكل طبيعي تسلسلات من الخلايا الزمنية، مع ارتفاع في النشاط والتذبذبات حتى قبل بدء أي عملية تدريب. في المقابل، فشلت الشبكة ذات الإعدادات العشوائية في توليد إشارات منظمة حتى بعد خضوعها لتدريب مكثف. كما لوحظ أن عملية التعلم في الشبكة "الصحيحة" أظهرت ثباتاً كبيراً في المؤشرات الداخلية، حيث كان التغير فيها أقل باثني عشر مرة مقارنة بالشبكة العادية، بينما اقتصر التعديل على المدخلات والمخرجات فقط. وعندما تم إطالة فترة التوقف في المهمة لأكثر من ثلاثة أضعاف دون إعادة تدريب، امتدت التسلسلات الزمنية وأعيد ترتيبها، في سلوك يحاكي ما يحدث في الحصين.
وفرت هذه الآلية نفسها للعامل الذكي إمكانية حساب الدورات بدقة في مهمة جري افتراضية، على غرار الأداء الذي تسجله فئران المختبر.
وأوضح الباحثون قائدين: "قد تعكس الخلايا الزمنية والإشارات الزمنية الأخرى بنية مسبقة التحديد، لا يساهم التعليم إلا في تحسينها".
وشددوا على أن هذه النتائج لا تزال ضمن إطار النموذج الرياضي، ولا تُعد دليلاً قاطعاً على بنية الدماغ، مشيرين إلى أن إجراء مقارنات مباشرة مع البيانات العصبية أمر ضروري للوصول إلى استنتاجات دقيقة.
من جهة أخرى، عززت التجارب الحديثة التي أُجريت على العضيات الدماغية، وهي أدمغة مصغرة تُنمى في المختبر، فرضية وجود إشارات زمنية فطرية، حيث لوحظت تسلسلات نبضية منتظمة في غياب أي محفزات حسية. وإذا ثبت أن الدماغ الحي يعتمد فعلاً على رياضيات مماثلة، فسيتمكن العلم من ربط وظائف الخلايا العصبية الفردية بالإحساس بالزمن، وهي القدرة الأساسية التي تقوم عليها الذاكرة والتخطيط والحساب.