تقف تجربة الإدارة المحلية في سلطنة عُمان اليوم أمام منعطف تاريخي مهم، تقوده التوجيهات السامية بإجراء تقييم شامل لاختصاصات المجالس البلدية وأدوارها، وتعزيز تكامل عملها مع المحافظين قبيل انطلاق فترتها الرابعة.
هذا التقييم لا يمثل مجرد مراجعة إجرائية، بل يضعنا مباشرة أمام السؤال الأكثر إلحاحًا في علم الإدارة العامة والحوكمة: كيف يمكن للمجلس البلدي أن يكون صوتًا مجتمعيًا مستقلًا وشريكًا رقابيًا فاعلًا، وهو يرتبط هيكليًا وإداريًا بالجهاز التنفيذي الذي يُفترض أن يراجعه ويقوّم خططه؟
لقد صُممت الهندسة التنظيمية الحالية بنية حسنة تستهدف توحيد الجهود داخل المحافظة الواحدة ومنع تنازع الاختصاصات؛ فالمحافظ يترأس المجلس البلدي بحكم منصبه، ومدير دائرة شؤون المجلس في مكتب المحافظ هو ذاته أمين سر المجلس. غير أن الممارسة العملية أثبتت أن هذا الاندماج الهيكلي يخلق ازدواجية مربكة في الأدوار؛ فالمحافظ هو المسؤول التنفيذي الأول عن إدارة المرافق وتنفيذ المشروعات وصرف الميزانيات الإنمائية، وفي اللحظة ذاتها يجلس على مقعد رئيس المجلس البلدي المعني بإبداء الرأي وتقييم كفاءة تلك المشروعات والخدمات.
في موازين الحوكمة الرشيدة، يؤدي الجمع بين سلطة التنفيذ وسلطة المشورة والتقييم في يد واحدة إلى تقليص مساحة المراجعة الموضوعية. وحين يكون موظفو أمانة سر المجلس تابعين وظيفيًا وإداريًا لمكتب المحافظ، يغدو المجلس بلا ذراع فنية أو بحثية مستقلة تسند الأعضاء المنتخبين بدراسات جدوى أو تقارير ميدانية قد تختلف في أولوياتها مع رؤية الجهاز التنفيذي. والنتيجة الطبيعية لذلك هي طغيان الأجندة التنفيذية للمحافظة على المبادرات النابعة من نبض الولايات واحتياجاتها اليومية، وتحول جلسات المجلس في أحيان كثيرة إلى منصة للمصادقة على خطط جاهزة بدلًا من صناعتها تشاركيًا من القاعدة إلى القمة.
إن الدعوة إلى استقلالية المجلس البلدي عن مكتب المحافظ لا تعني قطيعة مؤسسية أو خلق سلطة موازية تنازع المحافظ صلاحياته، بل تعني الانتقال النضجي من «التبعية الإدارية» إلى «التكامل المؤسسي»؛ فالتكامل الحقيقي لا ينشأ من ذوبان مؤسسة في أخرى، بل من تمايز الأدوار وتوازنها؛ بحيث يتفرغ مكتب المحافظ لقيادة قاطرة التنفيذ والاستثمار، بينما ينهض المجلس البلدي بدوره التمثيلي والتخطيطي برئاسة تُنتخب من بين أعضائه، وأمانة عامة مستقلة ترفد لجانه بالخبراء القانونيين والاقتصاديين والمخططين العمرانيين.
ولكي تكتمل حلقة الحوكمة، لا بُد من الانتقال باختصاصات المجلس من مربع التوصيات الاستشارية المفتوحة إلى فضاء الموازنة التشاركية والمساءلة الزمنية؛ فلا تُقَر الخطة الإنمائية للمحافظة إلّا بعد نقاشها وإجازتها من المجلس البلدي، ولا تبقى توصيات الأعضاء حبيسة الأدراج، بل تُلزم الجهات التنفيذية بالرد الرسمي والمسبب عليها خلال سقف زمني محدد، وليكن ثلاثين يومًا، عبر منصة رقمية شفافة ترصد مسار كل توصية.
إنَّ اللامركزية التي ننشدها جميعًا لا تطير بجناح تنفيذي واحد؛ والمحافظ القوي بصلاحياته ومخصصاته الإنمائية يحتاج إلى مجلس بلدي قوي ومستقل يحميه من قصور الرؤية البيروقراطية، ويمده بنبض الشارع الحقيقي، ويشاطره المسؤولية أمام المواطن. وبقدر ما ننجح في فك هذا الارتباط الإداري المتداخل، بقدر ما نمنح محافظاتنا مجالس بلدية قادرة على تحويل تطلعات الناخبين إلى منجزات ملموسة على أرض الواقع.