يعرض جناح سلطنة عُمان، ضيف شرف الدورة الـ 45 من المعرض، مجموعة من المخطوطات العمانية النادرة التي تكشف عن تنوع الحركة العلمية والثقافية في السلطنة، وما حفظته المخطوطات من معارف وتجارب انتقلت بين الأجيال.
وتأخذ هذه المخطوطات زوار المعرض في رحلة عبر 9 قرون من تاريخ المعرفة، من صفحات دوّن عليها العلماء والنسّاخ مسائل الفقه والقراءات القرآنية، إلى مؤلفات تناولت تشريح جسم الإنسان، وطرق الملاحة البحرية، ورحلات العمانيين إلى مدن العالم.
مخطوطة من عام 1137 ميلادية
وتتصدر المعروضات مخطوطة "مجموع في السير والجوابات"، التي تعود إلى عام 531 هجرية، الموافق 1137 ميلادية، وتُعد من أقدم المخطوطات المعروفة في سلطنة عُمان. وتضم مجموعة من السير والجوابات الفقهية المتفرقة، وتوثق جانباً مبكراً من الكتابة التاريخية لدى العمانيين، بما يعكس حضور التدوين العلمي والفقهي في المجتمع العُماني منذ قرون.
ومن بين المقتنيات مخطوط "المحاربة" لبشير بن محمد بن محبوب، الذي عاش في القرن الثالث الهجري، ونسخه خلف بن خنجر بن غفيلة الغفيلي. ويتميز المخطوط بندرة موضوعه ومكانته بين المصنفات المبكرة في فقه السياسة الشرعية، وقد اعتمد عليه فقهاء وقضاة عُمان في مؤلفاتهم اللاحقة.
وارتبط المخطوط أيضاً بالشيخة عائشة بنت راشد بن خصيب الريامية، التي نُسخت لها منه نسخ خاصة، وجُمعت مع مؤلفات أخرى، في شاهد على تداول هذه المصنفات والاهتمام بحفظها.
وفي مجال العلوم القرآنية، يعرض الجناح "مصحف القراءات السبع"، الذي نسخه الشيخ عبد الله بن بشير الحضرمي سنة 1148 هجرية، الموافق 1736 ميلادية، ويضم القرآن الكريم مع القراءات السبع المدونة في حواشيه.
ويتميز "مصحف القراءات السبع" بتكوين خطي وزخرفي نادر، يقوم على التناظر بين السطور، بحيث يبدأ السطر الأول بالحرف نفسه الذي يبدأ به السطر الأخير، ويتكرر هذا التناسق في مواضع أخرى من الصفحة والصفحة المقابلة، في بناء يجمع بين الدقة في نسخ النص القرآني والعناية بجماليات الخط.
ويمتد تنوع المعروضات إلى العلوم الطبية من خلال مخطوط "مجموع في الطب" للطبيب العُماني راشد بن عميرة بن ثاني بن خلف الهاشمي العيني الرستاقي، الذي عاش بين القرنين العاشر والحادي عشر الهجريين، واشتغل بالطب والفلسفة والفقه.
وتخصص الرستاقي في علم التشريح، وترك مؤلفات تناولت جسم الإنسان، من بينها قصيدة دالية تصف تشريح الجسد من الرأس إلى القدمين. وقد احتفت به منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة "اليونسكو" عام 2013.
أسرار الملاحة في مخطوطة بحرية
ومن تشريح الجسد إلى أسرار البحر، يضم الجناح مخطوط "معدن الأسرار في علم البحار"، الذي ألّفه النوخذة والبحّار ناصر بن علي بن ناصر الخضوري عام 1329 هجرية، الموافق 1911 ميلادية.
ويحتوي المخطوط على رسوم لمسارات بحرية ومراكب شراعية، وشروح لطرق تحديد الاتجاهات بالاستعانة بالشمس وأداة "الكمان"، موثقاً جانباً من الخبرة البحرية العُمانية وأساليب الملاحة التي استخدمها البحّارة. وقد أُدرج المخطوط ضمن سجل "ذاكرة العالم" التابع لليونسكو عام 2017.
رحلة من زنجبار إلى بريطانيا
ويحضر أدب الرحلات من خلال مخطوط "تنزيه الأبصار كاف في أدب الرحلات"، الذي يوثق رحلة السلطان برغش بن سعيد من زنجبار إلى بريطانيا عام 1875، واستغرقت أربعة أشهر وثمانية عشر يوماً.
ودوّن تفاصيل الرحلة زاهر بن سعيد المغلي، أحد مرافقي السلطان والكاتب الأول في داره، متناولاً المدن التي زاروها ومشاهداته وانطباعاته عنها، قبل أن يُنشر الكتاب في لندن عام 1878.
ويجمع هذا العمل بين أدب الرحلة والتوثيق التاريخي والجغرافي، مقدماً صورة عن الأماكن التي مر بها الرحالة وما سجله من مشاهدات خلال رحلته.
ذاكرة معرفية تمتد عبر القرون
وتكشف المخطوطات المعروضة عن اتساع مجالات التأليف التي اشتغل بها العلماء العُمانيون، من العلوم الشرعية واللغة إلى الطب والفلك والملاحة وإدارة الموارد المائية، كما تعكس الصلات العلمية والثقافية التي ربطت عُمان بمحيطها العربي والإسلامي والعالم.
ومن خلال هذه المقتنيات، تتيح مشاركة سلطنة عُمان في معرض الشارقة الدولي للكتاب للقراء والباحثين والمهتمين بالتراث التعرف إلى نماذج من تاريخ التأليف والنسخ، وما حفظته المخطوطات من معارف وشواهد على تطور العلوم وفنون الكتابة عبر الأجيال.