الوجه الآخر للاقتصاد الصيني
السيارات الكهربائية تغزو الشوارع الصينية.. وحوافز الشراء تدعم انتشارها حضور خليجي في تعليم العربية والدراسات الإسلامية بالجامعات الصينية 6.52 مليارات رحلة داخلية في عام.. السياحة الصينية تستند إلى سوق محلية هائلة لم يمضِ سوى أيام على العودة من أقاصي الشرق، بعد زيا...
السيارات الكهربائية تغزو الشوارع الصينية.. وحوافز الشراء تدعم انتشارها
حضور خليجي في تعليم العربية والدراسات الإسلامية بالجامعات الصينية
6.52 مليارات رحلة داخلية في عام.. السياحة الصينية تستند إلى سوق محلية هائلة
لم يمضِ سوى أيام على العودة من أقاصي الشرق، بعد زيارة ثرية أتاحت لنا الاقتراب من ملامح التجربة الاقتصادية الصينية، والتعرّف على مراكز التفكير الاستراتيجي والابتكار التكنولوجي، واستكشاف التحولات التي جعلت الصين قوة اقتصادية عالمية، وما حققته من تقدم في الصناعة والتقنية والخدمات الرقمية، إلى جانب توظيف المعرفة والبحث العلمي في دعم التنمية. وقد اخترنا لهذا الموضوع عنوانًا باللغة الصينية، ترجمته إلى العربية “الوجه الآخر للاقتصاد الصيني”، تعبيرًا عن جوانب من القوة الاقتصادية الصينية التي كشفتها الزيارة، وتتجاوز صورتها التقليدية بوصفها “مصنع العالم”.
لقد استطاعت الصين، منذ انطلاق سياسة «الإصلاح والانفتاح» عام 1978، أن تنتقل من المرتبة الحادية عشرة عالميًا من حيث حجم الاقتصاد إلى المرتبة الثانية عام 2010، في تحول يكشف حجم ما أنجزته خلال عقود. فالعدد الهائل من السكان لم يكن مجرد تحدٍّ أمام التنمية، بل أصبح أيضًا مصدرًا لقوة إنتاجية وبنائية ضخمة، جسّدتها الصين في نماذج مختلفة.
ويبرز مستشفى هوشنشان في مدينة ووهان، الذي أُنشئ عام 2020 لعلاج مصابي كورونا، شاهدًا على القدرة الصينية في البناء وحشد الطاقات والموارد البشرية؛ إذ أُنجز خلال عشرة أيام، بمساحة بناء تبلغ 34 ألف متر مربع، وسعة ألف سرير، وبمشاركة أكثر من سبعة آلاف عامل. ما يعرفه العالم عن الصين أنها «مصنع العالم»، ولا يتطلب الأمر سوى التفاتة بسيطة إلى ما حولنا من مقتنيات وأزياء لنجد عبارة «صنع في الصين» مطبوعة عليها.
إلا أن هذه الزيارة، القصيرة في أيامها، الثرية بتجربتها، كشفت عن جوانب تتجاوز المنتج الصيني نفسه.
للوهلة الأولى، يجد الزائر لبكين وشنغهاي نفسه في مدينتين تمتزج فيهما المعالم الحضارية والطبيعة بالمدنية والتقدم التكنولوجي، وتظهر ملامح ذلك في أبسط تفاصيل الحياة اليومية.
فالدراجات التشاركية بألوانها الصفراء والزرقاء، وحضور التطبيقات في التنقل والدفع، ليست مجرد تفاصيل عابرة في الشوارع، بل نوافذ يطل منها الزائر على اتساع استخدام الخدمات الرقمية. ويزيد من جمال المدينة صفاء الأجواء وهدوء الشوارع، إلى جانب الحضور اللافت للسيارات الكهربائية، حيث تدعم الصين اقتناء مركبات الطاقة الجديدة بحوافز تشمل تخفيضات ضريبية وبرامج لاستبدال السيارات، وهي سياسات تمنح المستهلك دوافع إضافية للشراء.
التفكير الاستراتيجي
وفي محطات الجولة التي اقتربنا فيها من مراكز التفكير الاستراتيجي، برز الحديث عن التشارك المعرفي، والتقارب بين الشعوب، والانفتاح والمنفعة المتبادلة، بوصفها أفكارًا حاضرة في الرؤية الصينية للعلاقة مع العالم. ولم يكن الحديث عن الذكاء الاصطناعي بعيدًا عن حياة الإنسان واحتياجاته؛ فقد حضرت خلال الزيارة فكرة توظيف التقنية في تحسين الخدمات والارتقاء بمستوى المعيشة، إلى جانب تطوير القدرات الصناعية والإنتاجية.
وعلى المستوى الدولي، كانت الصين من الدول الموقعة على اتفاق تأسيس المنظمة العالمية للتعاون في مجال الذكاء الاصطناعي في يوليو 2026، بهدف تعزيز التعاون الدولي والحوكمة العالمية في هذا المجال. وللانفتاح الثقافي حضوره أيضًا في المؤسسات الأكاديمية التي شملتها الجولة، وخصوصًا في تعليم اللغة العربية والدراسات العربية والإسلامية.
وهنا تظهر البصمة الخليجية في مركز الشيخ زايد لدراسة اللغة العربية والدراسات الإسلامية بجامعة الدراسات الأجنبية في بكين، إلى جانب فرع مكتبة الملك عبدالعزيز العامة بجامعة بكين.
ومما يستحق التوقف عنده ما تعرّفنا إليه في الزيارة من أدوار للجامعات تتجاوز التعليم الأكاديمي، عبر ربط البحث العلمي باحتياجات المجتمع والاقتصاد المحلي، وتحويل نتائجه إلى تطبيقات ومنتجات تخدم محيطها. فهنا تصبح العلاقة بين الجامعة والمجتمع جزءًا من مسار التنمية، وتكتسب المعرفة قيمتها حين تجد طريقها إلى الحياة والعمل والإنتاج.
إيقاع المدينة ليلًا
الساعة العاشرة مساء لها خصوصيتها في الصين، حيث يبدأ أغلب المحلات والأسواق والمجمعات في إغلاق أبوابها وإطفاء إنارتها. وفي شنغهاي، تخضع الإضاءة المعمارية في مناطق محددة لمواعيد تشغيل وإطفاء موسمية، مع تمديدها في بعض المناسبات. وهو تنظيم يفسّر جانبًا من انطفاء الواجهات، لكنه يختلف عن مواعيد عمل المحلات والأسواق.
وعند سور الصين العظيم، تستحضر الذاكرة مقولة ماو تسي تونغ: «من لم يبلغ سور الصين العظيم فليس ببطل»، فيما يمنح امتداد السور فوق الجبال العبارة وقعًا آخر لدى من يخوض تجربة الصعود. وفي المدينة المحرمة، تتحدث الهوية الصينية بعمرانها وتاريخها، ويضيف حضور زوار يرتدون الأزياء الصينية التقليدية لالتقاط الصور امتدادًا بصريًا لهذا التاريخ، في مشهد تتجاور فيه ذاكرة المكان وحياة زواره. ومما يثير الإعجاب ما يلمسه الزائر من اهتمام بالتراث والمعالم التاريخية؛ وهو انطباع عزّزته مشاهدات الجولة، فيما تكشف الأرقام، بصورة مستقلة، ضخامة الحركة السياحية المحلية.
فقد سجّل السكان نحو 6.52 مليارات رحلة داخلية خلال عام 2025، بإنفاق بلغ 6.3 تريليونات يوان، وفق بيانات وزارة الثقافة والسياحة الصينية. وهي أعداد للرحلات، قد يشارك الفرد الواحد في أكثر من واحدة منها خلال العام.
ويكشف هذا الزخم حجم السوق السياحية الداخلية، وحيوية الحركة بين المدن والمواقع الطبيعية والمعالم الحضارية.
وقد بدا هذا الحضور واضحًا في مواقع شملتها الجولة، ومنها شارع «تشيانمن» في بكين، حيث تتجاور حركة الزوار مع واجهات المكان وتفاصيله التاريخية.
الناس والحياة اليومية
ولا تكتمل زيارة الصين بالمباني والمصانع والمعالم وحدها؛ فللناس حضورهم الذي يمنح التجربة معناها، إذ تستشعر أوجه تقارب مع مجتمعاتنا في السجايا والخصال، والاهتمام بالأسرة وحضورها في حياة الفرد.
وحيث لا يخلو مجتمع من غني وفقير، إلا أن غياب مظاهر التسول والمشردين في مثل هذه المدن الكبرى يعد مؤشرًا لافتًا على ما توفره الحكومة من منظومة متكاملة للأمن، تجلت بوضوح في أنظمة الرصد والرقابة المتقدمة، واختفاء مظاهر الأحياء العشوائية الفاشلة التي تعاني منها الكثير من المدن الكبرى، واستبدالها بمدن حديثة البنية، فضلًا عن التواجد الأمني “الهادئ”، بعنصريه البشري والرقمي، في مختلف الطرقات والأسواق.
وعلى مستوى السياسات الاجتماعية، تشمل منظومة المساعدة الرسمية في الصين دعم الاحتياجات الأساسية والرعاية الطبية والتعليم والسكن والتوظيف والإغاثة الطارئة، بما يوضح تعدد مجالات التدخل لمساندة الفئات المحتاجة.
العلامات التجارية والتقنية
على مدى سنوات، ارتبطت عبارة «صنع في الصين»، في بعض التصورات الشائعة، بالمنتجات منخفضة السعر والجودة والسلع المقلدة، فيما تثبت الأسواق الصينية عكس ذلك.
فالسلع المقلدة في الصين تترصدها إجراءات صارمة من قبل السلطات المختصة بما يحفظ حقوق أصحاب العلامات التجارية، فيما يلاحظ الزائر حجم التنوع في المنتجات ومستوياتها، ويبرز فيها الاهتمام بالتصميم والتقنية وتجربة الاستخدام.
وكان حضور العلامات العالمية وتنوع المعروض وحركة المتسوقين عناصر تعكس حيوية السوق، وتمنح الزائر انطباعًا بقوة النشاط التجاري في المدينتين. ولا يتوقف الأمر عند المعروض في الأسواق؛ ففي الزيارات التقنية برزت تجارب في ثلاثة مجالات لافتة: الروبوتات، ونظارات الواقع المعزز، وأنظمة القيادة الذاتية.
وكان المثير للاهتمام اقتراب بعض هذه التقنيات من الاستخدام اليومي، وطرح نماذج من الروبوتات في صورة منتجات ترفيهية وتعليمية متاحة للجمهور، بعد أن ظلت صورتها في الأذهان مرتبطة بالمختبرات والمصانع أو مشاهد الخيال العلمي.
وهنا تبدو قيمة التجربة في الانتقال من عرض التقنية إلى البحث عن مكان لها في تفاصيل الحياة، ومن الفكرة إلى المنتج الذي يمكن للناس التعامل معه واستخدامه. لم تكن تلك الزيارة عابرة، فصين اليوم تشق طريقها نحو المستقبل بعزيمة ورشد، فالتجربة بلغت مرحلة النضج، وهي آخذة في الاتساع نحو آفاق جديدة.
وما عليه الصين فعلًا أجمل بكثير مما يعرفه العالم عنها، فاختزال الصين في كونها “مصنع العالم”، لا تعدو أكثر من نظرة قاصرة لبلد يملك قيمة ثقافية وعلمية وسياحية ومدنية واجتماعية وتكنولوجية تضاهي أرقى المجتمعات والدول المتقدمة.
الأخبار العاجلة تصلك أولاً على تلغرام
انضم لقناتنا لتتابع أهم الأخبار فور وقوعها، بدون تعقيد.