أعلن باحثان سوريان عن تسجيل أحد أنواع "السحالي الدودية العمياء" في الساحل السوري لأول مرة.
وتقضي هذه النوعية من السحالي معظم حياتها في أنفاق تحت الأرض، باحثة عن الحشرات والنمل والنمل الأبيض وغيرها من اللافقاريات التي تشكل غذاءها، وتملك أجساما أسطوانية طويلة، بلا أطراف، وعيون مختبئة تحت الجلد، وحراشف تحيط بالجسم في حلقات متتابعة، تجعلها أقرب في شكلها إلى الديدان منها إلى الزواحف.
وعلى الرغم من مظهرها البسيط، فإنها تمتلك تكيفات تشريحية وسلوكية متخصصة، تساعدها على الحفر والتنقل داخل مساحات ضيقة، حتى إن بعضها يمكنه التحرك إلى الأمام والخلف داخل الأنفاق دون الحاجة إلى الالتفاف.
وخلال الدراسة المنشورة في دورية "إيكولوغي آند كونسيرفيشن ساينس "، كشف الباحثان محمد غالية ورنيم عثمان، من قسم علم الحيوان بجامعة اللاذقية، عن قصة هذا الاكتشاف، قائلين إنه "لم يأت من رحلة استكشافية عابرة، بل استند إلى برنامج من الرحلات الميدانية الدورية امتد من عام 2000 حتى عام 2024".
وأوضح الباحثان في دراستهما أنهما خلال هذه الفترة، تنقلا بين مواقع مختلفة في محافظتي اللاذقية وطرطوس، شملت بكسا وقنجرة ومعهد الغابات، إلى جانب القدموس والدريكيش، واستخدما شباك الجمع وأدوات الحفر للبحث عن الكائنات التي تعيش تحت سطح التربة، وقادهما هذا العمل إلى العثور على كائن بدا لهما من الوهلة الأولى فريدا من نوعه.
وبعد جمع العينات وإجراء قياسات لأطوال الجسم وأقطار الرؤوس والذيول، خلصا في دراستهما إلى أنهما أمام أول تسجيل في الساحل السوري لأحد أنواع السحالي الدودية، وأطلقا عليها اسم "أمفيسبِينيا ڤيرميكيولاريس".
وبحسب ما جاء في الدراسة، فإن هذه السحلية الدودية تميزت بمواصفات شكلية فريدة، فكان أكثر ما يلفت الانتباه، ليس فقط غياب الأطراف، وإنما الطريقة التي تكيف بها جسمها بالكامل مع الحياة تحت الأرض.
وتراوحت أطوال العينات التي تم جمعها بين 13 و25 سنتيمترا، بينما بلغ طول الذيل نحو 1.6 إلى 2.4 سنتيمتر، وهو جزء قصير نسبيا مقارنة بطول الجسم.
ويغطي جسمها جلد سميك يحتوي على مادة الكيراتين، وتتوزع عليه حلقات عرضية متتابعة (تبلغ نحو 115 حلقة)، تمنحها مظهرا يشبه الديدان الأرضية، لكن هذا التشابه ليس شكليا فقط، فالحلقات تساعدها على الحركة داخل الأنفاق، من خلال انقباض أجزاء الجسم وتمددها بصورة متتابعة، بما يسمح لها بالتقدم والتراجع في المساحات الضيقة التي تحفرها بنفسها.
أما الرأس، فيتميز بصلابة عظام الجمجمة ووجود صفائح متخصصة، تساعدها على اختراق التربة ودفعها أثناء الحفر، بينما تتكيف عضلات الرقبة مع هذه المهمة، وبذلك، لا تحتاج إلى أطراف للحركة، لأن جسمها الطويل وأجزاءه الحلقية أصبحت أداة متكاملة للتنقل في بيئتها الجوفية.
ولأنها تعيش تحت الأرض في بيئة يغيب عنها الضوء معظم الوقت، لا تكون الرؤية بالنسبة للسحالي الدودية هي الحاسة الأكثر أهمية، ولهذا يصف الباحثان في دراستهما عيونها بأنها تبدو متراجعة ومغطاة بالجلد والحراشف، حتى تظهر في صورة بقع داكنة صغيرة، لكنها لا تختفي تماما، إذ يمكنها التمييز بين الضوء والظلام والتعرف على الخطوط العامة للأجسام المحيطة.
وفي المقابل، يوضح الباحثان أنها تعتمد على حواس أخرى أكثر ملاءمة لبيئتها، من بينها الشم واللمس والتذوق، إلى جانب الإحساس الكيميائي الذي يساعدها في العثور على الفرائس، ومن بينها النمل والنمل الأبيض، حيث تبحث عنها داخل مستعمراتها وأنفاقها، وهو ما يجعلها جزءا من شبكة التفاعلات الغذائية في النظم البيئية الأرضية.
كما تشير الدراسة إلى امتلاكها أسنانا مخروطية متفاوتة الأحجام في الفكين، ولسانا مشقوقا عند طرفه، وهي صفات تتناسب مع طبيعة غذائها وطريقة تعاملها مع الفرائس.
ومن بين الخصائص أيضا التي رصدها الباحثان، هي طريقة استخدامها للذيل القصير في مواجهة الحيوانات المفترسة، فبحسب وصفهما، يمكنها رفع ذيلها سريعا إلى أعلى عند تعرضها للخطر، بينما يبقى رأسها في وضع ثابت أسفل التربة، في محاولة لتشتيت انتباه المفترس عن الجزء الأكثر أهمية من الجسم.
وتفسر هذه الإستراتيجية الدفاعية ارتباط بعض أنواع السحالي الدودية في الثقافات المحلية بتسمية "الثعبان ذي الرأسين"، نتيجة التشابه بين طرفي الجسم وصعوبة تمييز الرأس من الذيل أحيانا.
أما التكاثر، فتورد الدراسة أن معظم السحالي الدودية تضع ما بين بيضتين وست بيضات، وأن البيض قد يوضع في أعشاش الحشرات الاجتماعية أو بالقرب منها.
ويقول الباحثان إن هذه الخصائص مجتمعة تكشف عن كائن لا يمثل مجرد زاحف صغير غريب الشكل، بل نموذجا للتكيف التطوري مع بيئة شديدة الخصوصية، تتطلب وسائل مختلفة للحركة والإحساس والتغذية والدفاع.
ويمثل توثيق هذه الكائنات التي تعيش بعيدا عن الأنظار تحديا أمام الباحثين المعنيين بالتنوع الحيوي، خصوصا أنها تقضي معظم حياتها تحت سطح الأرض، ولا تظهر بسهولة في عمليات المسح التقليدية، لذلك فهي لا تحظى عادة بالقدر نفسه من الاهتمام الموجه إلى السلاحف والثعابين والسحالي الأكثر ظهورا.
لكن قيمة أي اكتشاف جديد لا تتوقف عند العثور على الكائن وتصويره وقياسه، بل ترتبط أيضا بمدى دقة تحديد هويته، ومقارنة النتائج بالسجلات العلمية السابقة، وهذا هو محور تعليق الدكتور دانيال جابلونسكي، الباحث في قسم علم الحيوان بجامعة كومينيوس في براتيسلافا بسلوفاكيا، والذي أجرى العديد من الدراسات حول التصنيف الجزيئي والتوزيع الجغرافي للزواحف في الشرق الأوسط.
يقول للجزيرة نت إن الكائن المرصود في تلك الدراسة ينتمي إلى نوع من "السحالي الدودية العمياء" يعرف باسم "بلانوس أليكساندري"، والمعروف بالفعل في الساحل السوري منذ أكثر من قرن.
ويوضح أن هناك دراسة سجلت النوع "بلانوس أليكساندري" في محافظة طرطوس عام 2008، فضلا عن أبحاث أحدث تناولت تصنيف أنواع جنس "بلانوس" وتوزيعها الجغرافي وعلاقاتها الوراثية في لبنان والعراق.