الساعة الثانية عشرة في توقيت الصّواري في البحرين المسرحي
عندما دقّت الساعة الثانية عشرة في توقيت الصّواري، لم تكن خشبة الصالة الثقافية مسرحًا للأحداث كما عهدناها في كلّ مرةٍ، وإنّما فضاءً يزخر بالتساؤلات، يرفض المسلّمات، ويدعم التفكير المستقل، ومساحةً رحبة لمناقشة عقلية القطيع والمهزومين بفعل الأفكار السائدة. وقبل التوغّل في عوالم هذا...
وقبل التوغّل في عوالم هذا العرض لابدّ من الإشارة إلى أنّه جاء ضمن العروض الرسمية لمهرجان البحرين المسرحي في دورته الخامسة، والتوقف عند عنوانه "الساعة الثانية عشرة"، ومؤلّفه الراحل عبدالله السّعداوي، ومخرجه إبراهيم خلفان بمساعدة الفنانة سودابة خليفة، إلى جانب طاقم التمثيل، وهم البطلان عمر السعيدي وعلي أبو ديب، فضلًا عن بعض العناصر الفنية الأخرى التي أسهمت في تشكيل ملامح العرض، وفي مقدّمتها السينوغرافيا التي تولّاها محمود الصفّار، والمؤثرات الصوتية التي أشرف عليها نادر عبدالعال، ومتابعة الإنتاج التي تولّاها حسن المبشر.
كما تولّى الفنان محمد المرزوق قيادة الفريق الإعلامي للعمل المسرحي، والذي ضمّ نور حميد، محمد الصنديد، ومحمود الشيخ، متولّين مهام التصوير والتغطية الإعلاميّة والصحفيّة.
انفرج السّتار عن خشبة المسرح كاشفًا عن مشهدٍ يتوسّط فيه البطلان الخشبة، وقد بدت عليهما علامات الاختناق جرّاء الروائح المنبعثة في هذه الغرفة التي لم يتلقّوا أمر التحرّر منها بعد، فعلَت أصواتهما مُتسائلةً عن هوّية كلّ منهما، وهوية من يمدّهما بأشياءٍ فارغة من الأعلى.
وعلى ألسنة البطلين قيلت من العبارات ما تحمل في طيّاتها دلالات عميقة، من أبرزها "أنا لا أصدّق كلّ ما يُكتَب، أو يُقال أو يُشاهُد؛ فلكلّ امرئٍ بضاعته التي يسعى إلى الترويج لها".
ومن هذه الغرفة التي بلغت فيها الروائح النّتنة حدًا جعلهما يشعران وكأنّهما على وشك الغرق في مستنقعٍ من المياه القذرة، قال أحدهما عبارة مفادها "إنّ المدينة مزدهرة بالألوان، وعلى وجوه أفرادها تنعكس تلك البهجة في ابتساماتهم المشرقة"، وهكذا برزت أمام الجمهور مفارقة واضحة بين قبح الواقع وجمال الصورة.
وبعد أن أُسدِل السّتار، أوضح الفنان عمر السعيدي أنّ التحدي الأكبر في تجسيد دوره تمثّل في كون الأشياء مُبهَمة، الأمر الذي استلزم منه بذل جهدٍ مضاعف واستعدادًا مكثفًا امتدّ لنحو أربعة أشهر.
وعن دوره المركّب، قال الفنان علي أبو ديب إنّ هذا الدور من أصعب الأدوار التي قام بتأديتها حتّى الآن، لما ينطوي عليه من انتقالاتٍ سريعة من حالٍ إلى آخر.
أمّا السينوغرافي محمود الصفّار، فأشار إلى أنّ المخرج إبراهيم خلفان أعاد إحياء نص السعداوي من جديد برؤيةٍ إخراجية مُغايرة، ذاكرًا أنّه حرص على الالتزام بتوجيهات خلفان في آليّة تقديم النّص للجمهور مجددًا.
وعلى هامش العرض المسرحي، أُقيمت ندوة تطبيقيّة قدّم خلالها الأستاذ مهدي سلمان قراءةً نقدية سلّط فيها الضوء على الجوانب الفنيّة والجماليّة لهذا العرض، وخلص إلى أنّ هذا النّص بشكله العبثي يجسّد اغتراب الإنسان عن العالم الحديث الذي تُديره أيدٍ خفيّة، فهذان البطلان يعيشان في غرفتهما الصغيرة القذرة، يسردان حكاياتهما في انتظار غائبٍ لا يعلمان سبب انتظاره أو موعد عودته.
وممّا ورد في ورقته النقديّة، ربّما يكون الغائب دولةً أو سُلطة أو نظامًا اجتماعيًا، أو منظومة من القيم العالمية كالرأسماليّة أو المحلّية كالدين والقدر، أو قد يكون الخوف من اكتشاف الذات أو البحث عمّا وراء هذا العالم أو التماس مبرّرات تُجيز للإنسان الاستمرار في العيش وسط هذا العفن.
وذهب سلمان إلى أنّ اشتغال خلفان على النّص قام على تفكيك كلّ ما من شأنه أن يشي بهويّة الغائب أو يكشف عن ماهيّته، بما يتيح للجمهور الخروج من العرض الواحد بتأويلاتٍ متعدّدة، وهذا ما حدث بالفعل.
الأخبار العاجلة تصلك أولاً على تلغرام
انضم لقناتنا لتتابع أهم الأخبار فور وقوعها، بدون تعقيد.