لا توجد ثروة في العالم أهم وأقوى من الثروة البشرية، من تلك الأجساد التي تشكل حماية وامتداداً لشخص أو أرض. ولذلك، لا توجد معركة أكثر شراسة من معركة امتلاك تلك الثروة البشرية وتحديد طريقة توزيعها. وعليه، لا يوجد قهر وقمع أكبر من نسب البشرية كلها لجنس عن آخر، ثم وضع الثروة والسلطة كاملتين تفرداً في يد هذا الجنس. سيبقى المجتمع الإنساني ذكورياً أبوياً ما بقي الامتداد البشري منسوباً للذكر فقط، وستبقى القوى السياسية والاقتصادية والاجتماعية والحياتية كلها في يد أقلية بشرية لسبب رئيس، وهو استحواذ هذه الأقلية على الناتج البشري ونسبه لنفسها فقط، ومن ثم تحكمها في تسيير حياة هذا الناتج البشري وتوجيه قواه وتشكيل أيديولوجيته وتحديد انتماءاته الأساسية التي تخلق القوى والتوازنات العالمية كلها. المفارقة العجيبة أن الواقع العلمي يتعاكس مع هذا الاستحواذ العنصري. ففي حين أن الحمض النووي DNA يتم توارثه من الأب والأم معاً، فإن الحمض الميتوكندري mtDNA يورّث من الأم وحدها، لتنقله الإناث فقط من جيل إلى آخر. والحمض الميتوكندري مسؤول عن الكثير من الصفات الوراثية الهامة، وعليه فإنه وفي حين أن الإنسان يتشكل من نصفي DNA أحدهما من الأب والآخر من الأم، فإن كل الحمض الميتوكندري يورث خالصاً من الأم، لتبقى حقيقة أن الإنسان ينتمي بيولوجياً إلى الأم بدرجة أكبر من الأب. وفي ذلك قال بعض العلماء، مثل برايان سايكس الذي كتب كتاباً مهماً في هذا المجال بعنوان «بنات حواء السبع»، بأن تتبع الأصول أمومياً سيكون أكثر دقة من تتبع الأصول أبوياً، وذلك من خلال استخدام الحمض النووي الميتوكندري. تبنى سايكس في كتابه فكرة برزت في ثمانينيات القرن الماضي «لحواء الميتوكندرية»، التي تدور حول امرأة عاشت، كما يُعتقد، في أفريقيا قبل نحو مئتي ألف سنة، والتي يمكن ربط النوع البشري «الهوموسيبيان» بها. خلاصة القول، أن الثروة البشرية ثروة أمومية أكثر منها أبوية، وأن تتبع النسب سيكون أكثر دقة لو اتخذ خط الأم عن خط الأب. لكن عالمنا الذكوري الأبوي، لربما بداية من العصور الإغريقية القديمة، بدأ يتخذ منحنى أيديولوجياً وحياتياً ذكورياً حاداً، لتتحول الأديان كلها، التي كانت أمومية إلى حد بعيد، إلى ذكورية تسيطر فيها آلهة ذكور مثل زوس، ولينطلق العالم في بناء مجتمعات جديدة مبنية على السلطة والامتداد الذكوريين، ولتتنحّى الإناث في أدوار جانبية، نفعية للذكور وهامشية في الحياة، رغم أن هذه الإناث هي مصدر الثروة الأكبر على سطح الأرض، وهي تشكل الامتداد النّسَبي الأقوى لها. حقيقة الأمر أن هذا الامتداد الدمائي الذكوري الذي تم تثبيته مجتمعياً وثقافياً في المجتمعات الإنسانية هو أخطر أداة وأكثرها قمعاً وتهميشاً لإناث البشرية. الامتداد الدمائي هذا يحدد كل معطيات، قواعد وقوانين، ومكتسبات الحياة، وهو الذي يصنع المجتمعات ويشكل اقتصادها وسياستها وقواها المادية والفكرية. بالنسبة لعدد كبير من المجتمعات البشرية، يمتد الدين من الأب، وهو امتداد يصنع قوى بشرية هائلة تتصارع منذ آلاف السنوات على الأرض ومواردها وعلى الأفكار ومدى تحكمها في وتحريكها للجموع البشرية. هذا التوارث الديني وحيد القطب وضع كل القوى التشريعية الدينية في ميزان الذكور، لتوالي معظم التشريعات الدينية القديمة والحديثة الجنس الذكوري، فتفضي عليه بالوصاية والولاية وتمكنه من التحكم في النساء وتسبغ عليه كل السلطات الممكنة تجاه الأبناء، محولة النساء، في تأويلاتها للنصوص، إلى مجرد تابعات موصى عليهن، ومحكومات بالكلمة والقرار الذكوريين. ومن المنطلق نفسه، يمتد الانتماء العرقي والأصولي للأب، لتتقسم الكثير، إن لم يكن معظم، المجتمعات الإنسانية طبقاً لأصول الذكور، ليحدد الذكور الأصول والأعراق، ولينقسم البشر إلى شرذمات صغيرة فوق انقساماتهم الكبرى، وليستخدموا فكرة نقاء الدم ليخلقوا طبقية عرقية متوحشة، ولتُحَيّد الإناث إبان كل ذلك تماماً وتتحول إلى مجموعة تابعة لا تأثير لها مطلقاً في تحديد القوى الأيديولوجية للبيولوجيا التي صنعنها هن بأغلبية كبرى. وهكذا تقسم الأرض ومناطقها وغاباتها وصحاريها طبقاً لقاطنيها وامتداداتهم العرقية، لتصبح الأرض ملكاً لهذا العرق أو مرتبطة تاريخياً بهذا الأصل بمنهجية مبنية تماماً على الامتدادات الذكورية الدمائية المحدِّدة للأصول والأعراق. ومن المنطلق ذاته، يمتد الانتماء الوطني الحديث اليوم للذكور، ليؤْثِر عدد من الدول، ما يقترب من الخمسة وعشرين دولة، ذكورها على إناثها في إعطائهم وثيقة الانتماء المدني، وفي إعلانهم فئة فاعلة محددة لكل القوى السياسية والاقتصادية والمجتمعية في محيطها. يورث الآباء الأبناء جنسياتهم، في حين لا يزال عدد مؤثر من الدول يحرم المرأة من هذا الحق. كذلك، تعتمد معظم الدول، خصوصاً الإسلامية منها، قوانين أحوال شخصية متطرفة ضد المرأة، بل ومذلة لها بطريقة تضع كل القرارات الحياتية والمجتمعية والاقتصادية المصيرية في يد الرجل، بداية من حق الطلاق، مروراً بحق الميراث وانتهاء بحق الحضانة والوصاية على الأبناء. تُجَرَّد المرأة في معظم هذه القوانين من كل قواها المدنية، لتتحول إلى مورّد للقوى البشرية ولكن غير مالك لها، عمل تقضي حياتها كاملة فيه سُخرة. دون أي جهد اجتماعي أو عملي، ودون أي فضل أخلاقي أو عقلي، يتحصل الذكر على كل مميزات المجتمعات البشرية فقط لأنه ذكر، ولأن فكرة غابرة قديمة أعلت القوى الجسدية «الظاهرة» وصنعت آلهة ذكوريين مرعبين، محولة المجتمعات البشرية التي كانت ذات زمن أمومية إلى ذكورية قاسية متطرفة واسعة الانقسامات والنزاعات. ولهذا، لا تزال مجرد مساءلة المجتمعات عن مدى العدالة الإنسانية أو الاستحقاق العلمي لهذا الامتداد الدمائي للذكور ضرباً من الهرطقة المجتمعية والدينية، مساءلة تكفهرّ لها الوجوه، وتثور من أجلها الكرامات، ويموت دونها الذكوريون (رجال ونساء) معتقدين أنهم يدفعون ويدافعون عن الحق والدين. امتلك الذكور في مجتمعاتنا الأبوية كل امتداد بشري بمعية الفكرة المغلوطة لانتقال دمائهم فقط عبر الأجيال، في حين أن العلم الحديث جاء ليخبرهم أن فكرتهم مغلوطة، وامتدادات مجتمعاتهم كاذبة، وأن كل بناءاتهم الأيديولوجية وتقسيماتهم العرقية والأًصولية وانتماءاتهم التاريخية والأرضية تشوهت بعملية غسيل أفكار، مشابهة لعملية غسيل الأموال، التي تُدخِل الفكرة المشبوهة من هنا وتخرجها «إصبع كفتة» من هناك، وهذه «قمة الإعجاز العلمي»، مع الاعتذار من اللواء المصري إبراهيم عبد العاطي، الذي وعدنا بإنهاء التهاب الكبد الوبائي والإيدز عن طريق «جهاز الكفتة» في سنة 2014.
إصبع كفتة
لا توجد ثروة في العالم أهم وأقوى من الثروة البشرية، من تلك الأجساد التي تشكل حماية وامتداداً لشخص أو أرض. ولذلك، لا توجد معركة أكثر شراسة من معركة امتلاك تلك الثروة البشرية وتحديد طريقة توزيعها. وعليه، لا يوجد قهر وقمع أكبر من نسب البشرية كلها لجنس عن آخر، ثم وضع الثروة والسلطة ك...
الأخبار العاجلة تصلك أولاً على تلغرام
انضم لقناتنا لتتابع أهم الأخبار فور وقوعها، بدون تعقيد.