من أغنية “رفاق الدرب” التي ارتبطت بمسلسل “الزند”، إلى الألحان المستمدة من التراث السوري والكردي، تنقّل المؤلف الموسيقي آري جان بين عوالم موسيقية مختلفة على خشبة دار “الأوبرا” في دمشق، في أمسية لم تكن مجرد استعادة لأغانٍ وشارات درامية مألوفة، بل محاولة للجمع بين ذاكرة موسيقية متعددة في مساحة واحدة.
الأمسية التي نظمتها شركة “أوغار” (UGAR Events)، وحضرتها عنب بلدي، مساء الخميس 29 من تشرين الأول، لم تقتصر على تقديم مقطوعات موسيقية وأغانٍ مألوفة، بل فتحت مساحة للقاء التراث بالموسيقا المعاصرة، واستعادة تجارب موسيقية تركت حضورًا في الذاكرة السورية والعربية، بمشاركة عدد من الفنانين والفرقة الموسيقية.
التراث السوري والكردي.. تنوع يجمعه اللحن
بين الأغاني المستمدة من التراث السوري والكردي، قدم الحفل تجربة موسيقية قائمة على التنقل بين ألوان غنائية مختلفة، دون أن تفقد كل منها خصوصيتها.
وجاء هذا المزج انعكاسًا لتجربة آري جان الموسيقية، التي تقوم على البحث في التراث وإعادة تقديمه ضمن قوالب موسيقية تستند إلى الدراسة الأكاديمية.
وأوضح آري جان، خريج المعهد العالي للموسيقا في دمشق، أن اختيارات الحفل وطريقة الدمج بين التراثين السوري والكردي لم تكن عفوية، بل جاءت نتيجة دراسة وبحث في الموروث الموسيقي، ومحاولة للحفاظ عليه وتقديمه بصورة فنية.
وقال لعنب بلدي، إن العمل على التراث يحتاج إلى خلفية بحثية ومعرفة موسيقية، مشيرًا إلى أن الهدف هو تقديم أعمال قريبة من البحث الموسيقي وحفظ التراث، وليس الاكتفاء بجمع أغانٍ من بيئات مختلفة.
ومن بين الفنانين المشاركين في الأمسية، رأت الفنانة سارة درويش أن تنوع الأغاني والأصوات منح الحفل خصوصيته، إذ جمع فنانين من أماكن وخلفيات مختلفة على خشبة واحدة، معتبرة أن الفن والموسيقا يشكلان مساحة مشتركة بينهم.
وأضافت درويش لعنب بلدي، أن مشاركتها حملت خصوصية شخصية، كونها عادت للغناء على مسرح دار “الأوبرا” في دمشق بعد غياب دام ست سنوات، مشيرة إلى اشتياقها للوقوف أمام الجمهور السوري.
شارات المسلسلات.. ألحان تستعيد ذاكرة الجمهور
لم يقتصر التنقل الموسيقي في الحفل على التراث، إذ أعادت الشارات الموسيقية لعدد من الأعمال الدرامية السورية الجمهور إلى ألحان ارتبطت بمسلسلات وشخصيات وحكايات لا تزال حاضرة في الذاكرة، ومنها مسلسل “مولانا” و”الزند” و”تحت سابع أرض”، التي كانت من بطولة الفنان تيم حسن، كما قدمت الفرق شارات لأعمال أخرى مثل مسلسل “دومينو”.
ومع سماع تلك المقدمات الموسيقية، لم تعد الشارة مجرد أغنية ترافق بداية العمل أو نهايته، بل استعادة لزمن وتجربة مشاهدة ارتبط بها الجمهور عاطفياً.
وتحتل شارات المسلسلات السورية مكانة خاصة لدى جمهورها، إذ تجاوز بعضها حدود العمل الذي أنتجت من أجله، وانتشر بصورة مستقلة، ليصبح جزءًا من الذاكرة الغنائية لدى الجمهور السوري والعربي.
وهذا ما وافقته الفنانة سارة درويش، معتبرة أن أداء شارات المسلسلات ليس مهمة سهلة، لأنه يتطلب من المغني أن يعيش الحالة الدرامية للعمل ويفهم ما تقوله الحكاية وشخصياتها، حتى يستطيع نقل إحساسها إلى المستمع.
وتوضح أن شارة البداية تشكل بوابة لدخول المشاهد إلى عالم المسلسل، وتقدم له إحساسًا أوليًا بحكايته، بينما تأتي شارة النهاية لتكمل القصة وترافق المشاهد بعد انتهاء الحلقة، ولا سيما عندما يكون متعلقًا بأحداثها وما سيحدث لاحقًا.
وربطت درويش انتشار هذه الأغاني أيضًا بطبيعة المشاهدة الجماعية، خصوصًا خلال شهر رمضان، حين تجتمع عائلات وجماهير واسعة لمتابعة الأعمال نفسها، لتتحول الشارات إلى مساحة موسيقية مشتركة توحد مشاعر المستمعين.
الموسيقا التصويرية.. شريك في صناعة الحكاية
تتجاوز وظيفة الموسيقا في الدراما مرافقة المشاهد أو إضافة خلفية صوتية إليها، فهي جزء من بناء العمل وتشكيل أثره لدى المتلقي، وقد تسهم في التعبير عن مشاعر لا تستطيع الكلمات وحدها إيصالها.
ويرى الفنان عباس النوري أن الموسيقا عنصر عضوي في العمل الدرامي والسينمائي والمسرحي، وليست مجرد كلمات توضع لها ألحان أو حوارات تضاف إليها نوتات موسيقية.
وقال لعنب بلدي، إن العمل الفني يقوم على حالة من التناغم والتواصل بين عناصره، من التمثيل والإخراج إلى الرواية والموسيقا، التي يكمن جمالها وتأثيرها فيما تتركه لدى المتلقي، وليس في شكلها فقط.
من جهته، يرى الفنان رائد مشرف أن الموسيقا التصويرية لا تقل أهمية عن الإخراج والتمثيل في العمل الدرامي، إذ تساعد على إيصال المعنى وتحريك مشاعر المشاهد، وتمنح الأحداث دلالات إضافية.
وأشار في حديثه لعنب بلدي، إلى أن العمل الدرامي يصعب تصوره من دون موسيقا، باعتبارها عنصرًا أساسيًا في تكوينه، ومكونًا يساعد على إيصال ما يريد العمل قوله إلى الجمهور.
أما الفنان أيمن عبد السلام، فيقدر أهمية الموسيقا بنحو 50% من العمل الدرامي، معتبرًا أنها قد تكون في بعض الأحيان بطلة العمل، سواء جاءت على شكل شارة أو موسيقا تصويرية ترافق الأحداث.
وقال لعنب بلدي، إن بعض الألحان باتت معروفة لدى الجمهور حتى من دون مشاهدة المسلسل الذي تنتمي إليه.
وفي السياق نفسه، وصف المخرج ميار النوري الموسيقا لعنب بلدي بأنها أداة أساسية في سرد الحكاية، إذ تسهم في توجيه إحساس المشاهد والتعبير عن المعاني وصناعة التباين بين لحظات العمل المختلفة.
شارات ناجحة ومشروع غنائي متعثر
رغم الحضور الذي حققته شارات المسلسلات السورية وانتشارها عربيًا، فإن هذا النجاح فتح نقاشًا حول واقع الأغنية السورية نفسها، ومدى قدرتها على إنتاج تجارب غنائية مستقلة توازي حضورها في الدراما.
وفي قراءة نقدية لهذا الواقع، اعتبر الفنان عباس النوري أن الاهتمام بشارات المسلسلات بات، إلى حد ما، تعويضًا عن تعثر مشروع الأغنية السورية، مشيرًا إلى غياب عدد من الملحنين الذين أسهموا في صناعة تجارب غنائية مهمة في مراحل سابقة.
واستحضر النوري أسماء وتجارب ارتبطت بتاريخ الأغنية السورية، من بينها الفنان فهد بلان وغيره، معتبرًا أن تلك التجارب كانت متجذرة في حياة المجتمع السوري وبيئته.
ورغم انتقاده واقع الأغنية، لم يعتبر النوري أن ذلك يعني غياب المواهب، بل أعرب عن أمله بظهور تجارب جديدة تعيد للأغنية السورية حضورها.
في المقابل، ربط الفنان رائد مشرف انتشار الأعمال والشارات السورية عربيًا بقدرتها على ملامسة مشاعر وقضايا مشتركة، معتبرًا أن محبة الجمهور العربي للأعمال السورية تنعكس أيضًا على استقبال موسيقاها وأغانيها.
حفلات موسيقية.. مساحة لعودة النشاط الثقافي
إلى جانب الجانب الفني، حملت الأمسية دلالة تتصل بعودة الحفلات الموسيقية إلى المشهد الثقافي السوري، وإتاحة مساحات للموسيقيين والفنانين لتقديم تجاربهم أمام الجمهور، في وقت تبرز فيه الحاجة إلى تنشيط الفعاليات الفنية وتوسيع حضورها.
وقال الشريك المؤسس في شركة “أوغار”، أنس نصري، إن تقديم الموسيقا والموسيقيين الموهوبين أمر مهم، سواء على خشبة دار “الأوبرا” أو خارجها، مشيرًا إلى وجود فنانين سوريين متميزين موزعين في بلدان مختلفة.
وأوضح نصري أن الشركة لم تكن تخطط في البداية لتنظيم سلسلة حفلات، إذ كان من المفترض أن تكون حفلة الفنانة أصالة نصري فعالية واحدة، لكنها تحولت إلى نقطة انطلاق للتفكير في تنظيم حفلات أخرى تليق باسم سوريا وإمكاناتها الفنية.
وأضاف أن الشركة تتطلع إلى تنظيم فعاليات موسيقية في دمشق ومحافظات سورية أخرى، بما يتيح وصول هذه التجارب إلى جمهور أوسع.
ويرى المخرج ميار النوري أن إقامة فعاليات من هذا النوع لا تقتصر أهميتها على العرض الفني، بل تسهم في جمع المهتمين بالموسيقا والثقافة وفتح المجال أمام النقاش والتفاعل حول التجارب الفنية.
وبين ألحان التراث التي استعاد الحفل تنوعها، وشارات الدراما التي أعادت الجمهور إلى حكايات ارتبط بها لسنوات، قدمت أمسية آري جان الموسيقا بوصفها مساحة للقاء بين الذاكرة والتجربة الفنية المعاصرة، وأعادت طرح أسئلة تتجاوز حدود المسرح، حول واقع الأغنية السورية وموقع الموسيقا في صناعة الدراما والحياة الثقافية.