قبل دخولي الجامعة، منذ نحو أربع سنوات، واجهت مشكلة في اختيار تخصّصي. دخلت آنذاك في دوامة لا تنتهي من الآراء والنصائح والتحذيرات، وكأن اختيار التخصص لم يكن مجرد خطوة جديدة في حياتي، بل قرارًا سيحدد مستقبلي بالكامل، ولن يكون بإمكاني التراجع عنه يومًا.
أهلي قالوا لي: “روح ادرس برّا، شو بدك بلبنان؟”. أقاربي ألحوا على أن أختار اختصاصًا يوفّر لي مدخولًا مرتفعًا. أما أصدقائي، فكانوا يشجعون كل ما أقوله في كل مرة آتي إليهم بقرار جديد، ربما لأنهم كانوا يعيشون الحيرة نفسها. ولو كانوا يعرفون ماذا يريدون هم أيضًا، ربما لكانوا ساعدوني.
لا أزال أتذكر الأحاديث التي دارت عندما قررت دخول مجال الصحافة. أهلي قالوا: “إذا شايف هالشي بناسبك، فليكن!”. جدي قال: “ما بتطعمي خبز يا جدو”، أما جدتي فقالت: “هالمهنة خطرة كتير يا حبيبي”.
لم يكن أحد منهم يريد بالضرورة أن يختار عني. كل واحد كان يرى مستقبلي من وجهة نظره: الاستقرار، أو المال، أو الأمان، أو الخوف عليّ. لكن كثرة هذه الأصوات جعلتني أتساءل: عندما يأتي وقت اتخاذ القرار، كيف أعرف أي صوت منها هو صوتي أنا؟
دخلت الجامعة. هناك، لم يكن السؤال الأساسي إن كنت قد اخترت الاختصاص المناسب لي، بل إن كنت أحقق معدلًا جيدًا. يصبح النجاح رقمًا على كشف العلامات، أكثر مما هو اكتساب للمهارات، أو اكتشاف لما نجيده فعلًا، أو حتى تعلّم كيفية التعامل مع الظروف التي سنواجهها لاحقًا.
ومن أكثر الأسئلة التي سئمت منها سؤال: “ليش فتت صحافة؟”. الجواب الذي كان يدور في رأسي بسيط: “ما بعرف، جايي اكتشف”. لكن من يمتلك الجرأة، في أيامه الأولى في الجامعة، ليجيب بهذه الطريقة؟ فنحن ندخل الجامعة وكأن المطلوب منا أن نعرف مسبقًا ماذا نريد أن نصبح، قبل أن تتاح لنا أصلًا فرصة اكتشاف ذلك.
وعند دخول سوق العمل، تكتشف أن الجامعة لم تعطك سوى جزء صغير مما تحتاج إليه. لديك الشهادة، نعم، لكن عليك الآن أن تتعلم كيف تتأقلم مع مهام وظروف لم تكن تعرف بوجودها أصلًا. ولدى سوق العمل بدوره نموذج آخر لما يجب أن تكون عليه: أكثر خبرة، وأكثر إنتاجية، وأكثر مرونة، وقادرًا دائمًا على مواكبة متطلبات جديدة.
منذ صغرنا، نكبر على صورة شبه جاهزة لما يُفترض أن تكون عليه الحياة الناجحة: نختار تخصصًا يؤمّن لنا مدخولًا جيدًا، وندخل الجامعة ونحافظ على معدل مرتفع، ثم ندخل سوق العمل ونحاول تلبية متطلباته للحفاظ على وظائفنا. وبعد أن نستقر مهنيًا، نؤسس عائلة، ونشتري منزلًا وسيارة، ونحاول الحفاظ على كل ما اكتسبناه. وهكذا، نكون قد “نجحنا” في الحياة.
لكن من قال إن هذا هو معيار النجاح والسعادة؟ ومن قال إن اختياري هذا النموذج يضمن لي حياة أريدها فعلًا؟ والأهم، وسط كل الآراء والتوقعات التي تحيط بنا، كم يبقى من حياتنا لنا فعلًا؟
وهنا لا تعود المسألة مجرد اختيار تخصص أو وظيفة. ففي كل مرحلة، هناك جهة ما تخبرنا، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، بما يُفترض أن نفعله بعدها.
في البداية الأهل، ثم الجامعة، ثم سوق العمل. فإذا كان لدى الجميع آراء حول كيف يجب أن نعيش، فماذا يبقى من اختيارنا الشخصي؟
ولا يتوقف الأمر هنا. هناك أيضًا ذلك الكم الهائل من الضغوط والصور غير الواقعية التي نواجهها يوميًا على وسائل التواصل الاجتماعي.
أفتح إنستغرام، فأجد عشرات الفيديوهات التي تقدّم لي شكلًا ما من “الحياة المثالية” للشباب. أرى شابًا في التاسعة عشرة يعمل عن بُعد من على متن يخته في بالي، وفتاة في الحادية والعشرين يُقال إنها أصبحت أول مليارديرة عصامية (self-made billionaire). لا أحد يقول لي إن حياتي ناقصة، ولكن لماذا أشعر أحيانًا بأنها كذلك؟
هنا يصبح الحديث عن مجرد “تأثير” وسائل التواصل الاجتماعي تبسيطًا للمسألة. فهذه المنصات، والمحتوى الذي نستهلكه عليها، والمنتجات والإعلانات التي تلاحقنا، لا تخبرنا فقط بما يمكننا شراؤه، بل تقدّم لنا أحيانًا رغبات ومعايير معينة على أنها بسيطة جدًا: الهاتف الجديد ليس مجرد هاتف، بل قد يصبح دليلًا على أنك تواكب العصر. والسيارة ليست مجرد وسيلة للتنقل، بل قد تصبح دليلًا على أنك نجحت. والسفر ليس مجرد تجربة حيّة، بل قد يصبح دليلًا على أنك تعيش حياة مثيرة.
أحيانًا، تتناقض معايير النجاح لدى الآخرين بعضها مع بعض. فقد يُطلب من الشاب اللبناني في الوقت نفسه أن يسافر “لأنه ما في مستقبل هون”، وأن يبقى “لأن البلد بحاجة لشبابه”. وأن يؤمّن وظيفة مستقرة، وأن يخاطر ويؤسس مشروعًا. وأن يتزوج، وأن ينتظر حتى يصبح قادرًا ماديًا على الزواج. ومع كل هذه التناقضات، يُحاسَب الفرد على عدم تحقيقها جميعها.
ليس من الضروري أن ننظر إلى كل ذلك بصورة سلبية. فالأهل ربما يتدخلون خوفًا علينا. والجامعة لديها نظام لا يستطيع التعامل مع كل طالب بصورة فردية. وسوق العمل لديه فعلًا متطلبات للاستمرار. أما وسائل التواصل الاجتماعي، فنحن أيضًا نشارك فيها. المشكلة إذًا ليست في وجود التأثير بحد ذاته، بل في كثرة الأصوات والمطالب التي تحيط بنا. أمام كل ذلك، كيف أعرف أين يكمن صوتي أنا؟ وكيف أقرر بحرية؟
ربما لا يجب أن أضع طاقتي في محاولة ألّا أتأثر، فالحرية ليست أن أعيش من دون تأثير الآخرين؛ فهذا شبه مستحيل. ولكن ربما تبدأ الحرية من أن أعرف أي صوت هو صوتي أنا وسط كل هذه الأصوات، وأي رغبة هي رغبتي وسط كل هذه المتطلبات. وربما تأتي مرحلة يصبح فيها قول “أنا تربّيت هكذا” غير كافٍ لتبرير الطريقة التي نعيش بها؛ مرحلة يصبح فيها الإنسان مسؤولًا عن إعادة النظر في ما ورثه، واستخدام عقله ووعيه للتمييز بين ما يراه خيرًا وما يراه شرًا، واختيار مبادئه وقيمه وطريقة عيشه ونظام حياته وما يؤمن به بنفسه، بدلًا من الاكتفاء بتكرار ما اعتاده أو سمعه. فمن أنا بعيدًا عمّا يُنتظر مني؟ وما الذي أريده فعلًا؟ وكيف أعرّف النجاح إذا توقفت فعلًا عن استخدام تعريف الآخرين له؟