يتوقع البنك الدولي استمرار الضغوط التضخميَّة على أسعار الغذاء العالميَّة في العام الجديد (2027)م؛ بسبب تداخل الصَّدمات الجيوسياسيَّة مع التأثيرات البيئيَّة المتوقَّعة لظاهرة «النينو» التي ينتج عنها موجات متتالية من الطقس السيئ، شهدت معها دول عديدة في أوروبا وآسيا وشمال إفريقيا هطول أمطار وسيولًا غير معتادة في مثل هذا الوقت من العام، أحدثت خسائر في كثير من المحاصيل الزراعيَّة حول العالم، ممَّا ينبئ بحدوث نقصٍ في الإمدادات الزراعيَّة، وارتفاع أسعار مُعْظم السِّلع الأساسيَّة، التي سبق وتأثرت بقفزات حادَّة في تكاليف الإنتاج بلغت (35%) في المتوسط؛ جرَّاء تضاعف أسعار الوقود والأسمدة اللازمة للزراعة، منذ اندلاع أزمة مضيق هرمز في مطلع العام الحالي، فضلًا عن زيادة تكاليف الشحن والتأمين على السفن التي يتحملها المستهلك في النهاية.
ارتفعت أسعار الأرز (الغذاء الأساس لدول جنوب شرق آسيا)، وانخفضت المساحات المزروعة (40%)؛ بسبب نقص المياه الناتجة عن الأمطار الموسميَّة. كما شهدت دول جنوب أوروبا وشمال إفريقيا حالة من الطقس السيئ (أمطارًا ورياحًا وسيولًا وفيضانات مدمِّرة) منذ بداية فصل الخريف الحالي، أثَّرت على كثير من المحاصيل الشتويَّة، وألْقَتْ بظلالها على أسعار الخضراوات والفاكهة لِتغذِّيَ أزمة التضخُّم التي غزت العالم في (2026) بعد وصول أسعار النفط لِمَا فوق المائة دولار.
و»النينو» ظاهرة مناخيَّة طبيعيَّة، تحدُث عندما ترتفع درجات حرارة سطح المياه في الأجزاء الوسطى والشرقيَّة من المحيط الهادئ الاستوائي فوق المعدَّلات المعتادة، وترتبط هذه الزيادة بحركة الرياح، وتوزيعات المياه الدافئة والباردة وتيَّارات الضغط الجوِّي، ويحدُث التذبذب الجنوبي لـ»لنينو» نتيجة التفاعل بين مياه المحيط والغلاف الجوِّي، ولا يحدُث «النينو» وفق جدول ثابت، بل يتكرر بصورة غير منتظمة، تفصل بين نوباتها فترات تتراوح بين سنتين و(7) سنوات، وتستمرُّ عادة عدَّة أشْهُر، وقد تمتدُّ في بعض الحالات إلى أكثر من عام، ويتمُّ تحديد بداية وقوَّة وموعد انحسار «النينو» عن طريق رصد درجات حرارة سطح المحيط الهادئ، والرياح والضغط الجوِّي، ونماذج التنبؤات المناخيَّة.
وضربت «النينو» في السنوات الماضية أجزاءً من شرق إفريقيا ـ خصوصًا الصومال ـ التي عانتْ من الجفاف والمجاعة في عقد التسعينيَّات من القرن الماضي؛ جرَّاء قلَّة هطول الأمطار. كما عانت من الأمطار الغزيرة والسيول والفيضانات، التي جرفت الأراضي الزراعيَّة ومساكن الفلَّاحين ودمَّرت الطُّرق، وأدَّت إلى تلوُّث مياه الآبار الناتجة عن الفيضانات، وأدَّت لِتفشِّي الأوبئة والأمراض، في مناطق تفتقر لخدمات الصَّرف الصحِّي.
ورغم أن الدول العربيَّة تقع بعيدًا عن المحيط الهادئ، لكنَّها قد تتأثر بظاهرة «النينو» بشكل غير مباشر، فقد تعرضت منطقة الخليج لمنخفضات جويَّة متفاوتة الغزارة غير معتادة الحدوث في مثل هذا الوقت من العام. كما تأثَّرت بلاد الشَّام والعراق لاضطرابات جويَّة وتغيُّرات في توزيع مواقيت النواتج المطريَّة، لكن العلاقة ليست حتميَّة بـ»النينو»، إذ تتداخل عوامل بيئيَّة محليَّة مثل حركة الرياح الموسميَّة، ومسارات الكتل الهوائيَّة، ودرجة حرارة الخليج العربي والبحر المتوسط.
وترتبط ظاهرة «النينو» بالتغيُّر المناخي وارتفاع تركيز غازات الاحتباس الحراري الناتجة عن الأنشطة البشريَّة، فعندما تجتمع الحرارة العالية مع الجفاف، تتزايد مخاطر الإجهاد الحراري وحرائق الغابات وتراجع رطوبة التربة، وعندما تتزامن الأمطار الغزيرة مع ظروف جويَّة مناسبة، ترتفع مخاطر الفيضانات، ولكن تختلف درجة اليقين العلمي بشأن علاقة التغيُّر المناخي بـ»»النينو»»، والأمْر يحتاج مزيدًا من الدراسات لمعرفة تأثير كلٍّ منهما على الآخر.