ليست كل الحقائق التي نكتشفها عن الشعوب نقرأها في الكتب، ولا كل الصور التي تتشكل في أذهاننا عن الثقافات الأخرى تعكس واقعها بدقة؛ فهناك حقائق لا تكشفها إلا التجربة المباشرة، ومواقف إنسانية تبقى راسخة في الذاكرة.
ومن هذا المنطلق، أجدني اليوم أكتب عن جانب إنساني مهم لمسته من خلال زياراتي المتكررة إلى جمهورية الصين الشعبية، وهو ما وجدته من أخلاق لدى كثير من الصينيين، وما لمسته من مظاهر الاحترام والتعامل الإنساني مع المسلمين.
لقد أتاحت لي زياراتي المتعددة إلى الصين فرصة الاقتراب من المجتمع الصيني، والتعرف على ثقافته وعاداته وتقاليده، والالتقاء بأشخاص من خلفيات متنوعة، ومشاهدة تفاصيل الحياة اليومية بعيدًا عن الصور النمطية والأحكام المسبقة. وفي كل زيارة، كنت أزداد قناعة بأن التعارف الحقيقي بين الشعوب لا تصنعه المسافات الجغرافية، بل تصنعه الأخلاق، ويعززه الاحترام، وتمنحه المواقف الصادقة معناه العميق.
ومن أبرز ما يستوقفني في التعامل مع كثير من الصينيين الاهتمام بالانضباط، وتقدير الوقت، والجدية في العمل، والحرص على أداء الواجبات، إلى جانب التهذيب والتقدير المتبادل. وهي قيم تعكس جوانب من الثقافة الاجتماعية الصينية التي تولي أهمية للعلاقات الإنسانية والانسجام المجتمعي واحترام الآخرين.
أما تجربتي مع المسلمين في الصين، فقد حملت أبعادًا إنسانية وروحية خاصة؛ إذ حرصت خلال زياراتي على زيارة عدد من المعاهد الإسلامية والمساجد، للتعرف على أحوال المسلمين الصينيين، والاقتراب من ثقافتهم الدينية وتقاليدهم الاجتماعية. وكانت تلك الزيارات محطات مهمة في رحلتي البحثية والإنسانية، أتاحت لي اكتشاف جانب من التنوع الديني والثقافي الذي يميز المجتمع الصيني.
ومن اللحظات التي أعتز بها أنني أديت الصلاة إلى جانب إخواني المسلمين الصينيين داخل المساجد، في مشهد يجسد معاني الأُخوة ووحدة العقيدة، ويؤكد أن رابطة الإيمان تتجاوز اختلاف اللغات والأعراق والجنسيات. ففي تلك اللحظات، شعرت بأن المساجد تظل بيوتًا للطمأنينة والتآلف، ومساحات يلتقي فيها المسلمون على قيم الإخاء والتسامح والتراحم، مهما تباعدت أوطانهم واختلفت لغاتهم.
كما منحتني زيارة المعاهد الإسلامية فرصة للتعرف على جانب من الجهود المبذولة في التعليم الديني، وأهمية المؤسسات التعليمية في الحفاظ على الهوية الدينية والثقافية للمسلمين ونقلها إلى الأجيال القادمة. وقد عززت هذه التجارب لديّ قناعة بأن التواصل المباشر مع المجتمعات هو السبيل الأصدق لفهمها، وأن زيارة أماكن العبادة والتعرف على حياة أتباع الأديان الأخرى يفتحان آفاقًا أوسع للحوار والتفاهم.
إنَّ الإنصاف يقتضي أن ننقل تجاربنا بأمانة، بعيدًا عن التعميم، فالمجتمعات ليست متطابقة في تجاربها، لكن المواقف الإيجابية التي تقوم على الاحترام والتعايش تستحق أن تُروى وتُقدَّر. كما أن احترام الأديان والمعتقدات وكرامة الإنسان ينبغي أن يظل قيمة إنسانية ثابتة، تسهم في بناء مجتمعات أكثر تفاهمًا واستقرارًا.
وتتجاوز العلاقات العُمانية الصينية المصالح التجارية والاقتصادية إلى آفاق أوسع من التواصل الحضاري والتبادل الثقافي. فعُمان، بتاريخها البحري العريق وانفتاحها على الشعوب، والصين، بإرثها الحضاري الممتد وثقافتها الغنية، تمتلكان فرصًا كبيرة لتعزيز الحوار والتفاهم وترسيخ الصداقة بين الشعبين.
وأؤمن بأن الصحفي والباحث لا يقتصر دوره على نقل الأحداث، بل يمتد إلى تقريب المسافات بين الشعوب، وتصحيح الصور النمطية، وتسليط الضوء على القيم المشتركة التي تجمع الإنسانية. فاختلاف اللغة والدين والعادات لا ينبغي أن يكون حاجزًا بين البشر، بل فرصة للتعلم والتعارف واكتشاف ما يميز كل ثقافة.
وفي الختام.. تبقى الأخلاق لغة عالمية يفهمها الجميع، والاحترام جسرًا لا تحده الحدود. ومن واقع زياراتي المتكررة إلى الصين، وما عشته من تجارب إنسانية وثقافية، وما أتيح لي من زيارة المعاهد الإسلامية والمساجد والصلاة مع المسلمين الصينيين، أجد أن التقارب بين الشعوب يبدأ بخطوة صادقة نحو الآخر، ويتعزز بالحوار والتفاهم والاحترام المتبادل.
فالشعوب لا تتقارب بما تقوله عن بعضها فحسب، بل بما تبنيه من مواقف صادقة، وما تقدمه من احترام، وما تتركه في ذاكرة الآخرين من أثر طيب. وتلك هي الرسالة التي أحملها من رحلاتي إلى الصين: أن الإنسانية تجمعنا، وأن الأخلاق تقرّبنا، وأن احترام الإنسان لدينه وثقافته وكرامته هو الأساس الحقيقي لصداقة تدوم عبر الأجيال.