أحياناً، أخشى أن نمضي أعمارنا ونحن نستعد لحياة لا تأتي، وننتظر أبواباً رسمنا في مخيلتنا شكلها، ونهيئ قلوبنا لاستقبالات نظن أنها ستحدث يوماً، ثم نفاجأ بأن الأقدار كانت تخبئ لنا مشهداً آخر، لا يشبه ما تمنيناه، ولا يفسر لنا لماذا سلكنا كل تلك الطرق كي نصل إلى مكان لم نكن نريد الوصول إليه. قبل أيام، قرأت قصة الكاتب الجزائري حامد ياسين، الذي انهار باكياً أمام مقاعد فارغة خلال حفل توقيع كتابه، بعدما انتظر قرّاءه ولم يحضر أحد. لم تكن دموعه مجرد لحظة انكسار أمام غياب الحضور، بل صورة موجعة لإنسان أعدّ نفسه للقاء طالما انتظره، ثم وجد الصمت في المكان الذي تخيل أن تمتلئ أرجاؤه بالكلمات والأسئلة والوجوه. توقفت عند هذه الحكاية طويلاً. تخيلت الكاتب وهو يستعد لذلك اليوم، وربما تخيل الوجوه التي ستأتي، والحوارات التي ستدور، واللحظة التي سيمد فيها يده ليوقع كتاباً اختار أن يضع فيه شيئاً من روحه. ثم جاء الموعد، وجاء هو، وغاب الجميع. كم تبدو المسافة قاسية بين ما نعيشه في مخيلتنا وما تضعنا الحياة أمامه! ولم أستطع أن أقرأ حكايته باعتبارها قصة تخص كاتباً وحده؛ فقد وجدتني أفكر في كل إنسان يتهيأ للحظة يعتقد أنها ستأتي، ويمنحها من وقته وأمله ومشاعره ما يجعلها جزءاً من مستقبله، ثم يجد نفسه أمام واقع مختلف تماماً. أخشى أحياناً أن تكون لنا مواعيد مع أقدار لا تشبهنا، وأن نصل إلى اللحظات التي انتظرناها طويلاً فنكتشف أنها لا تحمل الوجوه التي تمنيناها، ولا تمنحنا الإجابات التي بحثنا عنها. أخشى أن نبذل كل ما نستطيع، وأن نذهب إلى الحياة بقلوب صادقة، ثم نكتشف أن الصدق وحده لا يضمن لنا النهايات التي نريدها. ولعل ما يجعل الانتظار مؤلماً أننا لا ننتظر الحدث وحده؛ نحن نعيش تفاصيله قبل أن يقع. نمنحه مكاناً في أحلامنا، ونرتب مشاعرنا على أساس حدوثه، وربما نؤجل أشياء أخرى لأننا نعتقد أن موعدنا المنتظر سيغير كل شيء. وحين لا يأتي، لا نفقد اللحظة فحسب، بل نفقد معها شيئاً من الصورة التي رسمناها لحياتنا. وأنا، التي أكتب وأنتظر أن تصل كلماتي إلى الناس، صرت أخشى أن يتكرر معي ما حدث لذلك الكاتب الجزائري. أخشى أن يأتي يوم أهيئ فيه كلماتي وقلبي للقاء القراء، ثم أجد مقاعد فارغة، أو أصمت أمام غياب كنت أتمنى ألا يحدث. ربما لهذا السبب هزتني حكايته؛ لأنني رأيت فيها احتمالاً إنسانياً أعرفه جيداً، احتمال أن يمنح المرء شيئاً يؤمن به، ثم ينتظر أن يجد من يشاركه الإيمان به، دون أن يعرف ماذا تخبئ له اللحظة التالية. ومع ذلك، لا أريد أن أتعلم من هذه الحكاية الخوف من المحاولة، ولا أن أجعل من خيبة محتملة سبباً للتراجع. لكنني بدأت أفكر في هشاشة تلك المسافة التي تفصل أحلامنا عن الواقع، وفي قدرتنا على الاستمرار حين لا يمنحنا العالم الاستجابة التي تمنيناها. فهل نحن على موعد مع أقدار لا تشبهنا، أم أننا نمنح أحلامنا صورة محددة إلى درجة أننا نعجز عن تقبّل الحياة حين تأتي بصورة أخرى؟ لا أعرف الإجابة. أعرف فقط أن الإنسان حين ينتظر شيئاً بصدق، فإنه لا ينتظر وقوعه وحده، بل ينتظر أن يرى في حدوثه معنى لكل ما بذله في الطريق إليه. وربما يكون أصعب ما نتعلمه أن نمضي نحو أحلامنا بقلوب مفتوحة، دون أن نطلب من الأقدار ضمانات، وأن نمنح كلماتنا وأعمالنا ما تستحقه من الإخلاص، حتى إن لم يأتِ التصفيق في الموعد الذي تخيلناه. لكنني أتمنى، مثل كثيرين، ألا نضطر إلى اختبار قسوة المقاعد الفارغة كي نعرف قيمة من ينتظروننا، وألا تتأخر الوجوه التي نرجو حضورها إلى ما بعد انطفاء الأمل في أعيننا. فبعض المواعيد لا نخشاها لأنها قد تفشل، بل لأننا نضع فيها جزءاً حقيقياً من أرواحنا، ونخاف أن نعود منها ونحن لا نعرف أين نضع ما تبقى من ذلك الجزء.
هل نحن على موعد مع أقدار لا تشبهنا؟
يتأمل المقال فجوة الألم بين ما نبنيه في خيالنا من أحلام ومواعيد منتظرة، وبين ما تفاجئنا به الحياة من وقائع لا تشبه توقعاتنا، مستنداً إلى قصة الكاتب الجزائري حامد ياسين الذي انهار أمام مقاعد فارغة في حفل توقيع كتابه. وتربط الكاتبة بين خيبته وخوفها الشخصي من مواجهة لحظة مشابهة، حيث...
الأخبار العاجلة تصلك أولاً على تلغرام
انضم لقناتنا لتتابع أهم الأخبار فور وقوعها، بدون تعقيد.