على الرغم من النظرة المجتمعية السائدة التي تفسر الصمت على أنه دليل على ضبط النفس أو استراحة من ضجيج الحياة، إلا أن الواقع العصبي فيزيولوجي يكشف عن طبيعة مختلفة تماماً لهذه الحالة.
توضح أنيكينا أن الامتناع المتعمد عن الكلام لا يعني سكون مراكز اللغة في الدماغ، بل هو نشاط ديناميكي معقد؛ إذ تقوم الفصوص الأمامية بممارسة ضغط قوي لكبح منطقة بروكا (Broca's area)، مما يؤدي إلى إرسال إشارات تثبيطية مباشرة إلى عضلات اللسان والشفتين لمنعها من الحركة.
وتؤكد الطبيبة أن هذا الكبت يستهلك طاقة أكبر بكثير مما يتطلبه الكلام الطبيعي، مشيرة إلى أن شدة الرغبة في التعبير تزيد من النشاط في القشرة الحزامية الأمامية، وهي المنطقة الدماغية المسؤولة عن إدارة الصراعات الداخلية.
أما في حالات الصمت المطول، فيدخل الدماغ في ما يُعرف بـ"وضع المراقبة"، حيث ترتفع حدة الإدراك الحسي، لكن في المقابل تضعف القدرة على استيعاب المعاني اللغوية للكلمات المنطوقة. ولتعويض هذا النقص في التواصل اللفظي، يلجأ الدماغ إلى تحليل تعابير الوجه والإيماءات، في عملية تشبه العودة إلى أساليب التواصل البدائية.
تختلف الصورة جذرياً عندما يكون تراجع القدرة على الكلام ناتجاً عن عوامل مرضية وليس عن إرادة الشخص. وتشرح أنيكينا أن الدماغ المصاب بأمراض الجهاز العصبي يفتقر إلى الطاقة الكافية لمواكبة المحيط والتحدث في الوقت ذاته، فيلجأ إلى تعطيل وظيفة الكلام كآلية للبقاء.
وتذكر الأخصائية أن هذه الاضطرابات اللغوية ترتبط بأمراض محددة، من بينها مرض باركنسون، ومرض الزهايمر، والتنكس الجبهي الصدغي.
وتحذر من أن تراجع الكلام يحمل خطورة خاصة في مرحلة الشيخوخة، حيث قد يشير استمرار الصمت والانطواء لأكثر من أربعة أسابيع إلى معاناة الشخص من الاكتئاب، أو ظهور المراحل المبكرة لمرض باركنسون، أو بداية الإصابة بالخرف. كما تعتبر الانخفاض المفاجئ في مستوى الصوت علامة تنبيه واضحة على تطور المرض، مما يستدعي استشارة طبيب أعصاب فوراً.