يتساءل الدكتور أحمد بن علي المرهون عن كيفية قدرة البعض على توجيه كلمات قاسية ومؤذية للآخرين عبر الفضاء الرقمي، ثم استكمال حياتهم اليومية بشكل طبيعي، متسائلاً عن السبب الذي يجعل مشاعر البشر تتحول إلى مجرد وسيلة للتسلية والضحك.
ويوضح أن هذه الظاهرة قد تبدأ بمجرد تعليق ساخر على صورة أو رأي مخالف، ليتطور الأمر بانضمام مجموعة من الأشخاص الذين يعيدون نشر الإساءة، مما يضع المستهدف في مواجهة سيل من السخرية من أشخاص غرباء لا يدركون طبيعة حياته أو حجم الألم الذي تسببه كلماتهم.
ويشير الكاتب إلى المعاناة الصامتة للضحية التي قد تتظاهر باللامبالاة أو تبتسم أمام الناس لإخفاء حزنها، بينما تظل تلك الكلمات الجارحة محفورة في ذاكرتها، محولةً ما يراه المتنمرون "مزحة" إلى وجع نفسي عميق.
ويرى المرهون أن التكنولوجيا لم تخلق القسوة، فالسخرية سلوك قديم، لكن الشاشات خلقت حاجزاً مادياً جعل المعتدي يكتب كلمات قد يخجل من قولها لو كان في مواجهة مباشرة مع الطرف الآخر.
ويضيف أن ما يثير الأسى هو تحول الإساءة إلى فعل جماعي؛ حيث يبدأ شخص بتعليق جارح، ثم يتبعه آخر بالضحك، وثالث بإعادة النشر، ورابع بزيادة حدة القسوة، ليجد الفرد نفسه فجأة أمام جمهور كامل يساهم في ألمه، حتى وإن لم يكن كل مشارك يقصد الإيذاء بشكل مباشر.
ويؤكد الكاتب على ضرورة التمييز بين النقد البناء والاختلاف في الرأي وبين التجريح والسخرية، مشدداً على أن رفض فكرة ما أو عدم الاتفاق مع شخص لا يبرر إهانته أو تحويله إلى مادة للضحك، فالاختلاف لا يتنافى مع الاحترام المتبادل.
ويدعو إلى وقفة مراجعة ذاتية للتأكد من أن رفضنا للتنمر ينبع من إيماننا بأنه سلوك مؤذٍ بحد ذاته، وليس فقط عندما يكون المستهدف شخصاً نحبه أو يشبهنا، متسائلاً عما إذا كنا سنقف ضد الإساءة حتى لو كانت موجهة لشخص نختلف معه في آرائه.
وينتقد المرهون اختزال الحل في نصيحة الضحية بـ "التجاهل"، مؤكداً أن تجاوز الإهانة ليس أمراً سهلاً خاصة عند انتشارها، حيث يحتاج المتضرر إلى الدعم المعنوي، كما يتطلب الأمر موقفاً مجتمعياً حازماً ضد التشهير والإساءات المتعمدة.
ويختم بالتأكيد على أنه رغم استحالة منع كل كلمة جارحة، إلا أن بإمكان المستخدمين التفكير ملياً قبل الكتابة أو إعادة نشر الإهانات، واختيار ألا يكونوا جزءاً من سخرية تؤذي الآخرين.
ويناشد الجميع بتذكر أن خلف كل حساب رقمي إنساناً يمر بظروف ومخاوف لا يعلم عنها أحد، لذا يجب ألا نزيد من أعبائهم النفسية.
ويخلص إلى أننا لسنا ملزمين بالاتفاق مع الجميع أو محبتهم، ولكن يمكننا الاختلاف دون أذى والنقد دون إهانة، معتبراً أن أفضل أثر يمكن تركه في العالم الرقمي هو الكلمة الطيبة، أو الصمت الذي يمنع الضرر، أو الموقف الذي يشعر الآخرين بأنهم ليسوا بمفردهم.